قصص قصيرة

وجيب قلبين

“وجيب قلبين”
قصة قصيرة

الأحد , السادسة مساءً.
خرج “يوسف” من منزله ذاهبً للقاء اصدقائه في احد المقاهي الشهيرة بوسط المدينة , وصل اليهم وجلس معهم على الطاولة المستديرة وكانوا ثلاثة هو رابعهم وجميعهم في اواخر العشرينات, اخذوا يتحدثون ويسخرون من بعضهم البعض كعادة مجالس الشباب, الى ان وصلوا الى اهم ما يتحدث عنه معظم الشباب, افيون مجالسهم , الجنس الأخر او الجنس الناعم كما يُطلق عليه, الفتيات والعلاقات ما بين الشباب والفتيات .
سأله احدهم في خُبث ظاهر
– “يوسف” هل ما زلت على علاقة بتلك الفتاة التي تُدعى “سمر”؟ , هل ما زلت تُواعدها؟
– لا , لقد تركتها منذ قريب
– لقد اخبرناك سابقً انها فتاة لعوب
– نعم ولقد صدّقت حديثكم ,فأنتم اصدقائي
– نعم يا صديقي وكنا نعتقد انك ستغضب منا
– ولمَ اغضب! لقد اخبرتوني الحقيقة
– اذاً لماذا انقطعت عنّا في الأسابيع الماضية؟
– كنت مشغولاً في العمل
– يبدوا انك تُعاني من فُراقها
– لا لقد نسيتها , كانت مجرد نزوة او علاقة عابرة وانتهت
– ولماذا ارى في عينيك اسى وحزن ,هل انت نادم على فراقها؟
– لا, لست نادمً ابداً ,انا فقط مُتعباً من كثرة العمل
– هل تعرفت على فتاة اخرى؟
– لا, لقد قررت الا اُعيد التجربة الى ان اتزوج
– ههههه كيف؟ هل يُعقل ان يعيش الشاب بدون فتاة؟
– ولمَ لا! فلنجرب ونرى هل استطيع ام لا؟
… ظل “يوسف ” جالسً معهم ولكنه ليس معهم, لم يكن مهتمً بحديثهم او سُخريتهم , كان يحاول تهدئة الصراع بين عقله وقلبه, نقاش حاد يدور بينهم كل ليلة ,يتصارعان كثيرا دون الوصول الى حلٍ يُرضيه, نظر الى ساعته فوجدها التاسعة مساءً فقرر ان يرحل الى منزله لكي يُكمل اجتماعه في هدوء, اجتماع يُقام يومياً وينفضّ دون إتخاذ قرارات , استأذنهم بأن يرحل مُعللاً بأنه مُرهق ويريد النوم , تركهم وقرر ان يتجول قليلاً لعل اضواء وصخب المدينة تُهون ما بداخله.

الأحد ,السادسة مساءً.
تقف “سمر” امام المراه تقوم بضبط حجابها قبل خروجها لملاقاة اصدقائها.
“سمر” فتاة في منتصف العشرينات ,مُحجبة ,من اسرة متوسطة, ممتلئة الجسد قليلاً ولكن ارتدائها للملابس الفضفاضة دائماً يُخفي ذلك.
خرجت “سمر” من منزلها وذهبت لأصدقائها وجلست معهن في احد الكافيهات الشهيرة في وسط المدينة .
– كيف حالك يا “سمر”؟
– بخير الحمدلله
– اين كنتِ في الأيام الماضية؟ هاتفك مُغلق دائماً لماذا؟
– لا شيء كُنت مُتعبة قليلاً
– كيف حالك مع حبيبك؟
– لقد افترقنا منذ اسابيع
– ماذا تقولي!! افترقتم؟ لماذا؟
– تشاجرنا فقط
– وما السبب؟
– لا شيء , اسباب تافهة ولكنه ظهر على حقيقته
– أرأيتي؟ الم اخبرك ان جميعهم كاذبون ويتلاعبون بنا؟
– نعم…نعم لقد كنتِ مُحقة , وكنت انا غبية اُصدق هراءاته وكذبهُ , لقد تخلى وهرَب سريعاً ..لم يحتمل
– هم كذلك كاذبون ,يدّعون الحب والعشق وعندما يدركون ان العلاقة اخذت الطريق الجاد يظهرون على حقيقتهم ويهربون
– نعم انتِ محقة ,جميعهم خادعون
– لا تحزني وانسيه وستجدين افضل منه
– لقد نسيته بالفعل وقررت ان اُكمل حياتي بدون الدخول في تجارب اخرى ,يكفي ما حدث.
..قالت “سمر” هذه الجملة وهي تمنع دموعها من النزول ,قاومت حتى لا يظهر ضعفها امام صديقاتها, تماسكت حتى لا يعرفن انها كانت وما زالت تحبه ,بل وتعشقه ولم تنساه ولو لدقيقة واحدة , ظلت جلسة معهن ولكنها في عالم اخر ,شاردة الذهن ,ثم استأذنت ان ترحل حتى لا تتأخر وكانت الساعة التاسعة مساءً, تركت صديقاتها وقررت ان تتجول قليلاً قبل عودتها للمنزل, فهي بحاجة الى شيء يخفف توتر عقلها وقلبها.

.. يتجول “يوسف” في شوارع المدينة الضخمة واضوائها الساطعة,يتجول دون مقصد يشاهد واجهات المتاجر الكبيرة الفخمة , يسير وسط الزحام لكنه لا يشعر بوجود احد .
يسير وهو يستمع لنقاش عقله مع قلبه ,العقل يريد من القلب ان ينساها والقلب يأبى الخضوع ويرفض الفكرة ويثور ويصرخ بأنه ما زال يحبها ويعشقها وما زالت هي بداخله ترفض الخروج .
العقل غاضب والقلب متمرد ثائر وهو حائر بينهما لا يدري ماذا يفعل؟ , ضجيج الشارع لا يُقارن بضجيج رأسه , اتعبه التفكير وظل يسير الى ان وجد نفسه في شارع شبه مظلم وخالي من البشر, هدوء مُرعب لكنه لا يبالي يسير بخطى بطيئة,وكأنه بحاراً فقد سفينته او فارسً فقد جواده, مُستغرقً في التفكير الى ان رأى على الجانب الأخر ما اثار دهشته وجعل جسده يتسمّر مكانه وجحظت عيناه وتوقف عقله عن التفكير.

….تسير “سمر” في الشارع المزدحم مثل التائهة , لا تعلم الى اين تقودها قدماها ,تسير وكأنها مسلوبة الأرادة عقلها شارد وذكريات تتصارع داخل عقلها, مشاهد تتجسد امام عينيها ,ترى نفسها مع من كان مصدر سعادتها ولكنه الان سبب حُزنها وتعاستها ,تُريد ان تلعنه ولكن قلبها يصدّها , افكاراً تتصارع داخل رأسها , معركة شرسة تدور بداخلها, معركة تفوق شراستها معارك هانيبال ضد الرومان.
تريد ان تبكي لكن دموع عينيها اعلنت العصيان ,اعلنت التمرد ورفضت الخروج لفض هذه المعركة الدامية , رفضت ان تُطفيء الحريق الذي نشب داخل ضلوعها.
وجدت نفسها دون ان تدري تسير في شارع شبه مُظلم وهادئ.
اجواء الشارع تُرعب اية فتاة او امرأة لكنها لا تبالي , ولكنها انتبهت الى شيءً يتحرك اتجاهها على الجانب الاخر ,شبح يسير ببطئ , دب الخوف والقلق قلبها وارتعدت اوصالها وتباطأت خطواتها , الشبح يقترب ويقترب مع تسارع دقات قلبها ,الشبح اصبح مُقابلها ووقف ينظر لها بثبات وكأنه اصبح تمثالاً.
…لم يُصدق “يوسف” عينيه, لم يُصدق ما راه إنها هي,نعم هي “سمر” ,هنا توقف الزمن وتوقفت عقارب الساعة وتأمر القدر مع الظروف لحدوث هذا اللقاء .

… نظرت”سمر” الى الشبح الواقف على الجانب الاخر من الطريق , حدقت به كما يحدق بها وعرفته سريعاً ,انه هو , هيئته ووقفته , تسمّر جسدها وشُلّت قدماها تُريد ان تهرب ولكنها لا تستطيع.

… المشهد الأن وكأنه جيشان يستعدان للمواجهة وكل جيش ينتظر الهجوم من الجيش الأخر, وفي لحظات الأنتظار كان يُدار هذا الحديث الصامت , مُناقشة صامتة , جدال بين المشاعر ,مناظرة بين القلوب.

هو: ” انتِ ! ما الذي جاء بكِ الى هنا؟
هي: انتَ ! لماذا رأيتك؟ ما كنت اتمني ذلك.
هو: اُريدك بشدة ,تعلمين جيداً انني اُحبك
هي: ماذا ستفعل؟ هل ستأتي ام سترحل لُتزيد مُعاناتي؟
هو: اُريد ان أتي اليكِ ولكني اخاف على كرامتي.
هي: ايها الغبي ,لا تُضيع الفرصة بعنادك وتكبّرك
هو: انتِ السبب في ما حدث ,لماذا استمعتي لصديقاتك؟
هي: اعلم اني أخطأت ولكنك ايضاً اخطأت بحقي
هو: نعم لقد اخطأت وصدقت ما يقال عنكِ
هي: لقد جرحتَ مشاعري وكرامتي
هو: ولكني اعتذرت لكِ وقمت بتصحيح خطأي
هي: لم يكن إعتذارك كافي ,انا امرأه
هو: انتِ السبب في فُراقنا, استمعتِ لصديقاتك وافتعلتِ الكثير من المشاكل بيننا , لم اتحمل وقد قمت بتحذيرك.
هي: كان يجب عليك ان تتحملني فأنت الرجل ولكنك صدّقت اصدقائك وظننت انني مغرورة واريد التحكُم بك.
هو: لقد اخطأنا بحق بعضنا , ما كان يجب علينا الأستِماع لأحد
هي: هذه نتيجة تدخل غيرنا في حياتنا .
هو: اُعاهدك يا حبيبتي ان لا اسمح لأحد ان يتدخل بيننا
هي: هيا اقترب انا انتظرك بكل شوق وحب , ولن افعلها مرة اخرى وسأكون فتاة مُطيعة.
هو: هل تُعاهديني ان تبقى حياتنا سرً بيننا حتى نتزوج؟
هي: اقسم لك بأنني لن اتحدث مع احد عن ما يحدث بيننا.

… دقائق من الأنتظار, دقائق من المعاناة , دقائق من العتاب الصامت , دقائق مرّت عليهم وكأنها سنوات ,ذكريات تجسدت امامهما وشاهدوا اخطائهم وعلموا انهم كانوا على وشك بأن يقتلوا انفسهم , علموا بأن لقاءهم هذا هو فرصة لتصحيح الأخطاء وإنقاذ القلوب من الم الفراق وعذاب الأشتياق.
ادرك “يوسف” بأنه الرجل وعليه ان يُبادر اولاً وان يتقدم هو اليها ويعتذر حتى وان كان غير مخطئ فأن المرأة تُقّدر ذلك جيداً ويزداد حبها وتقديرها للرجل عندما يفعل ذلك.
اقترب “يوسف” منها وهو يبتسم وينظر لها نظرة تعرف هي معناها جيداً , كاد ان يطير فرحاً عندما وجد في عينيها نفس النظرة وعلى شفتيها نفس الأبتسامة.
لم يتحدثوا كثيراً ,فقط بضع كلمات كانت كافية لتتعانق القلوب وتتشابك الأرواح وتعود السعادة الى حياتهم .

…………….. تـــــــمـــــــــــــت…………………

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد سيد عبد الغفار

كاتب ومؤلف قصص قصيرة

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق