نقد

مرايا عاكسة

شُبّه لهم

السعيد بوطاجين

يمتلك الكاتب زين الدين بومرزوق تجربة راقية في فن القصة القصيرة، ذلك أنه بدأ النشر قبل سنين طويلة، وهي خبرة شحذتها الممارسة المستمرة والتواضع الخلاق، أو ما يشبه الامحاء أمام الوقت، وأمام الهالات الأدبية: حالة صوفية نادرة. عليّ أن أؤكد على الصفة الثانية لأنها من الجواهر التي تسهم في تقوية الإبداع وترقيته عندما يكون بحاجة إلى سند نقدي مؤسس على معرفة وتمثل وبصيرة وموهبة ودراية بالكتابة ومقوماتها. هذا الكاتب من هذه العينة الاستثنائية التي تقبل الملاحظات الدقيقة بسعادة كبيرة، بل إنّه يلحّ على القراءة النقدية الموضوعية لما يكتبه، دون تردد، وهو أمر نادر حقا في الأخلاق الأدبية التي يعرفها المشهد الأدبي الحالي الذي يتميز بالحضور الكلي والمعرفة الكلية لكتّاب يولدون كبارا جدا.
أصدر القاص زين الدين بومرزوق مجاميع قصصية متفاوتة على عدة أصعدة، وهذا أمر طبيعي، بل إنه لمن الضروري أن يتجاوز الكاتب باستمرار ما يكتبه للتأكيد على قدراته التجديدية، أو للوقوف على مطباته وترقيعها بسرد أكثر نضجا، وأكثر استيعابا للملكة الجمالية وللتقنيات الضرورية لكلّ مرحلة من المراحل التي تعرفها كتاباته، مهما كانت مهاراتها. كلّ كتابة بحاجة إلى مراجعة، العلوم الدقيقة نفسها تعيد النظر في بعض اليقينيات التي يثبت الوقت أنها كانت نسبية إلى حد ما، أو خاطئة في بعض الحالات.
أجد مثلا أنّ هناك مسافة دالة بين مجموعة « ليلة أرق عزيزة « ، وبقية المجاميع الأخرى: «تشكيل في ذاكرة العين»، « الحجر المقدس» ، « خمسون درجة تحت الظل « ، « معذرة يا بحر» ، وأخيرا « أنهار جبل الثلج « ما يبرز قدرات الكاتب على إعادة قراءة منجزه من زوايا أخرى لها مسوَغاتها الفنية والبنائية. أمّا المجموعة الأخيرة التي تحمل عنوان « شبّه لهم « ، فهي قصص قصيرة جدا قد لا يتجاوز بعضها الجملة الواحدة أو الجملتين. لقد كتبها المؤلف بشيء من النباهة والقوة في التمثل والإدراك والقدرة على الاقتصاد السردي الذي لا يخلّ بانسجام المبنى وصفاء المعنى والجوانب الوظيفية للخيارات السردية التي اتكأ عليها في هذه النصوص الجميلة. أحسست، وأنا أعيد قراءة هذه الإبداعات المضيئة، تفصيلا تفصيلا، أنّ هناك جهدا عقليا مضاعفا في التعامل مع الموضوعات والرؤى برمتها، وفي كيفية الانتقال من فكرة إلى أخرى في النص الواحد، أو ما بين نصّ وآخر، وفي طريقة انتقاء الخاتمة التي عادة ما تأتي مريبة، مربكة، ومفارقة للمعيار المتواتر، للجانب المنطقي المتعارف عليه، أو للعلاقات السببية الممكنة، أو تلك التي يتوقعها القارئ. حسن التخلص، إن نحن استعرنا مصطلح القدامى، ظاهرة تحتاج إلى انتباه خاص لأنها تشبه تعليقات ألفريد هتشكوك في أفلامه. ثمة انتقال من العقدة إلى الحلّ بشكل ماهر، رغم ما قد يبدو عليه من عبث، كما يتجلى على مستوى ظاهر اللفظ.
هناك في مجموعة شبّه لهم نصوص مثيرة، وغاية في الذكاء لأنها سردت ببهاء وحنكة من له دراية مؤكدة بتقنيات القصة القصيرة جدا. لقد أسست، في أغلبها، على متخيل يحتاج إلى أن نقف عنده بروية بالنظر إلى أنه قد يبلغ، في مراحل كثيرة، درجة كبيرة من الاجتهاد المضني الذي لن يتأتى لنا إلاَ بتشغيل كلّ ما نملكه من قدرات إبداعية مؤهلة لإنتاج قصص بهذا المستوى التخييلي المتميز، وبقدرة حقيقية على الاختزال هربا من سفسفة الحكايات والجملة السردية. لقد وجدت هذه النصوص غاية في الإثارة بتحكمها النبيه في عنصر الاقتصاد. كانت الوحدات السردية الصغرى تتوفر على محمولات مكثفة، ما يمكن أن تحمله الصفحة الواحدة، أو أزيد. إنها سمة تبرز طريقة اختزال المبنى وتكثيف المعنى، سواء عن طريق التلميح، أو عن طريق الاضمار.
كما أنّ الخيال سمة بارزة في أغلب نصوص شبّه لهم. لقد وجد، من منظوري، لتحقيق عدة مقاصد لا تستوعبها الكتابة التقريرية التي لها حدودها ونسبة استمراريتها وظرفيتها. بيد أنّ قوة الخيال قد تبقى، في كثير من المنجزات الفنية التي تعي وضعها وحقيقتها، من الأمور الخالدة، أو كما قال الزعيم نهرو بعد قراءة ألف ليلة وليلة: إن مملكة الخيال أصدق وأبقى من مملكة الواقع والحقائق.
علينا أن نشير، في هذا السياق، إلى أنّ الخيال من العناصر القاعدية التي ساهمت في تجميل هذه القصص القصيرة جدا وجعلها ممتعة، ومفتوحة أحيانا، أي قابلة لقراءات وتأويلات مختلفة بالنظر إلى تشكلاتها. إنّ
فيها شيئا من التلميحات الغريبة، وبعضا من سخرية برنارد شو، علامات ما أو تقنيات يصعب ضبطها بدقة متناهية. لذلك أترك فرصة للمتلقي للكشف عن هذه الملامح، وخاصة ما تعلق بالخواتم المفاجئة، مع أني لا أميل، في واقع الأمر، إلى إقامة مقارنات قد لا تكون صحيحة، لأنّ الكاتب، مهما كان، يمثل نفسه، وقد لا يكون على دراية بمرجعيات نلصقها به قسرا لوجود مجاورات ما، أو لظهور تماسات عفوية بينه وبين هذا وذاك. أتصور أنّ مجموعة شبّه لهم هي تجربة ذاتية مستقلة تماما عن التجارب الغيرية، كما تدلّ على ذلك النصوص. كما أنها تشكل، بالعودة إلى هويتها السردية وحقلها المعجمي وموضوعاتها المحلية، عوالم خاصة لها مقوّماتها وبيئتها ومحيطها الخارجي وسحرها الخاص بها. لا يوجد في المجموعة أيّ استيراد مجاني للأشكال والرؤى. وهي، إضافة إلى ذلك، تنمّ عن مقدرة حقة في التعامل مع هذا الجنس الأدبي الذي انتشر في السنين الأخيرة في كلّ الأقطار العربية، بتفاوت واضح في الفهم والتقنيات السردية والأبنية والمعجم الموظف في تمرير الخطاب.
أشرت إلى الموضوعات المحلية كمنطلق جوهري لاختراق الحدود اللسانية والجغرافية. أمّا استيراد الأشكال الجاهزة فلا يصنع أدبا له شخصيته المؤسسة على الذات كضرورة ملحة لبلوغ العالمية. لذا تبدو مجموعة شبه لهم من هذا النوع الذي يبني على نواميسه وذاكرته، وهذا أمر مهمّ في هذا المنجز الذي يعكس محيطه ويتجاوزه بأساليب عارفة من أجل اختراق الحدود الجغرافية. وللتدليل على ذلك نقدم عينة تمثيلية من العينات الكثيرة التي يمكن أن تعكس المحلية القادرة على اختراق الحدود. ورد في قصة الكبيرة والصغيرة: « استدعاهم لاجتماع طارئ لمحاسبتهم على كلّ كبيرة وصغيرة. ولثقل ملفاتهم وحساسيتها… وخوفا منه أخذوا معهم سكرتيراتهم. انبهر بجمالهن وحضورهن.. أخذ الكلمة وردد: سأكتفي اليوم معكم بمحاسبتكم على كبائركم». يبرز هذا النص، شأنه شأن النصوص الأخرى، عن قدرات الكاتب على الاهتمام بواقعه الفعلي الذي يصدر عنه، وعن هذه المسحة الساخرة التي تميز نصوصه الذكية. كما يكشف عن الطاقة الكبيرة على التخييل والاختزال الوظيفي الذي يتفادى تمطيط الحكاية. يفعل ذلك بمقدرة كبيرة، ولأغراض سياقية وفنية متفاوتة. إننا أمام قصص قصيرة جدا، مجتهدة على عدة مستويات، جادة وجديرة بالاهتمام بالنظر إلى تنويعاتها وقدراتها السردية واللغوية والخيالية الراقية. هنيئا للكاتب زين الدين بومرزوق، الإنسان الراقي في الحياة وفي الكتابة، وهنيئا للقراء هذه الإضافات النوعية للمشهد القصصي.

المصدر https://www.eldjoumhouria.dz/art.php?Art=47965&fbclid=IwAR1WdJDxlZxXbUfH-mxywGQglnrxz5lyauZaXqrmqiGTaO_QgMF-7cFds-k

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x