قصص قصيرة

قصة قصيرة / ” بحور الوهم ” ؟؟!!

بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )

 

تنويه :
أحداث وشخوص النص حقيقية .. حدثت على أرض الواقع … ولا فضل للكاتب على النص … اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب .
مقدمة :
هي قضية من قضايا الساعة .. لمجتمع – بل مجتمعات – ..مثقل بالهموم والإرهاصات والإشكاليات التي تثقل كاهله .
إهداء :
إهداء خاص إلى أرواح الشهداء التونسيين الذين قضوا نحبهم في الحادث الأخير …
وإلى كل من يعيشون وهم العيش في ” بحور الوهم ” علهم يتعظون ويعتبرون ..
فهل من متعظ ؟؟
وهل من معتبر ؟؟

( الكاتب )
===============

” بحور الوهم “

… يعدو في الأزقة والحواري في الحيّ الكبير من المدينة .. مهرولاً في كل اتجاه دون هدف أو مقصد .. يعدو الأطفال والصبية من خلفه وهم يلاحقونه بالصراخ والضجيج بعبارات من الهزء والسخرية والتهكم .. والمزيد من العبارات البذيئة من الألقاب والألفاظ النابية .. ولا تلبث الأمور أن تتعدى هذا وذاك إلى الضرب بالأيدي والركلات بالأرجل والقذف بالحجارة والزجاجات الفارغة وما يكون في متناول الأيدي .
الشاب الغض .. كان يحاول الفرار من كل هذا وذاك بدون جدوى .. فجموع الأطفال والصبية المتحلقة به والتي تحيط به من كل حدب وصوب تحول بينه وبين الفرار .. فلا يلبث أن يصدر أصواتاً غريبة غير واضحة المعاني بشكل هستيري وجنوني أقرب ما تكون إلى صوت الحيوانات منها إلى لغة البشر .
فإذا ما تملكه التعب والإرهاق واستبد به اليأس والقنوط وأخذ منه التعب كل مأخذ .. سقط على الأرض وهو يتخبط ويصدر حركات عصبية غريبة بيديه وقدميه .. فيقترب منه الأطفال والصبية فأكثر وأكثر .. وقد استبدت بهم نشوة غريبة من السعادة ؟؟!! .. ولا يلبث الشاب أن يهدأ شيئاً فشيئاً .. فيزداد صراخ الأطفال والصبية أكثر فأكثر .. إلى أن يستكين الشاب ويتوقف عن الحركة والصراخ بشكل تام .. مغشياً عليه وهو أقرب ما يكون إلى الموت منه إلى الحياة …
* * *
اكتب … اكتب يا سيدي .. مالك تقف هكذا فاغراً فاه الدهشة كالأبله وأنت تشاهد الموقف وتبتسم ابتسامة بلهاء حمقاء ؟؟!! .
اكتب يا سيدي … اكتب عن هذا المشهد الذي تراه بأم عينك .. أم أن ما تراه لم يهز مشاعرك ولم يحرك فيك ساكناً ؟؟!! .
أنا أعرف جيداً يا سيدي بأنك كتبت للوطن .. للحب .. لقضايا المجتمع ومشاكله .. وللحرب .. فلماذا تقف الآن هكذا كالأبله بسذاجة وحمق دون أن تحرك ساكناً .. ودون أن تخرج الورقة والقلم لكي تكتب ؟؟!! .
اكتب .. اكتب يا سيدي .. فهل نضب معين فكرك ؟؟.. وهل جف مداد قلمك ؟؟.. وهل نفد ورقك .. ؟؟!!
سأهبك قلماً وورقة مني .. فقط عليك أن تكتب .. فاكتب يا سيدي .. اكتب ..
مالك تسألني ببلاهة وحمق .. تسألني ” ما شأني بهذا الأمر ” ؟؟!!
يا له من سؤال ساذج .. ويا لك من كاتب غر أحمق حقاً ..
إنه ولدي !! .. نعم .. هو ولدي يا سيدي … ولن أقول لك بأنه ولدي الوحيد كي تظن بأني أستدر عطفك وشفقتك … فإن لديّ من الأبناء أربعة غيره .. ولكنه ولدي في كل الأحوال .. سواءً أكان الأكبر أم الأصغر أم الأوسط .. فهو في كل الأحوال ولدي ..
مالك تحدق بي هكذا كالأبله مرة أخرى ؟؟ ألم تعرف ما حدث له وما حدث لي ؟؟ .. الكل يعرف .. فلماذا لم تعرف أنت بذلك بالله عليك ؟؟!! .. أم أن مثل هذه القضية لا تهمك ولا تشغل بالك .. ولا تستحوذ انتباهك .. ولا تستحق منك الكتابة ؟؟!! .
سأوضح لك الأمر .. فلقد عاش ولدي هذا الوهم .. بل ” بحور الوهم ” .. وبنى القصور والقصور من الوهم والخيال والأحلام .
عاش وهم الحياة في مدينة ” أفلاطون ” التليدة .. ” المدينة الفاضلة ” .. التي يحياها البشر فيما وراء البحار .. واعتقد بأن تحقيق ذلك الأمر ميسور .. بل في منتهى البساطة … فكل ما عليه هو أن يعبر ” بحور الوهم ” كي يصل إلى بر الأمان المزعوم فيما وراء البحار ؟؟!! .
خرج من المنزل .. ومن المدينة خلسة .. دون أن نشعر به أو أن يشعر به أحد .. فقد تسلل خفية في دياجي الظلمة الحالكة وقد أعد العدة حسب الخطة ؟؟!!
ولدي لم يكن يعيش السجن ولا القهر ولا الظلم … ولا شظف العيش والحياة المطبق … فلقد كنا نعيش حياة متواضعة كالجميع من حولنا .. رغم القهر والبطش والظروف العصيبة المحيطة بنا من كل جانب …
كان قد وقع في الشرك والمصيدة كما وقع الكثيرون فيها ..
فلقد استطاعت الأفكار السوداء أن تغزو فكره ولبه .. والتي كانت قد زرعتها فيه فرقة الشر من ” المافيا ” التي أخذت تغزو أفكار شباب المجتمع بطريقة شيطانية .. واستطاعت الوصول إلى إقناعه بأن الأمر سوف يكون في منتهى السهولة واليسر .. فكل ما عليه هو أن يعبر الحدود .. وأن يعبر ” بحور الوهم ” كي يصل إلى بر الأمان في الشاطئ الآخر القريب من جنة الأحلام المزعومة ؟؟!! بعد أن يقوم بدفع المبالغ الباهظة المطلوبة والتي تفوق كل الإمكانيات المادية المتاحة وغير المتاحة .. فجل هم رجال عصابة المافيا الشريرة تلك .. هو الحصول على المال فحسب ؟؟!!
اكتب .. اكتب يا سيدي .. مالك تفغر فاه الدهشة كالأبله هكذا من جديد ؟؟!! … اكتب .. اكتب يا سيدي ..
لقد غرق المركب .. غرقت السفينة يا سيدي … ألم تسمع بذلك ؟؟!! .. ألم تشاهد ذلك ؟؟!! لقد عرف الجميع بذلك .. سمعوه وشاهدوه .. فما بالك لم تعرف بالأمر ولم تسمع به ولم تشاهده ؟؟!! .
لقد غرقت ” شبه السفينة ” التي رصت فيها الأجساد البشرية بشكل أبعد ما يكون عن الآدمية والإنسانية .. لقد رص قراصنة المافيا في ” شبه السفينة ” تلك ؛ المئات والمئات من الشباب الذين غرروا بهم والذين يعيشون وهم وحلم عبور ” بحور الوهم ” … بعد أن استحوذت على الأموال الطائلة منهم .
.. ” شبه السفينة ” كانت غير قادرة على متابعة رحلة الوهم بسبب الأعداد الهائلة على ظهرها .. ولأنها كانت غير مهيأة للإبحار لسوء وضعها وقدمها وتلفها .. ولأن عمرها الافتراضي كان قد انتهى ومنذ عهد بعيد ؟؟!! .
لقد غرقت السفينة يا سيدي .. وغرق كل من كان على ظهرها .. رغم نداء الاستغاثة المدوي الصاخب المجلجل .. فلم يهب أحداً لنجدتهم .. اللهم سوى أسماك البحر المتوحشة ؟؟!! .
.. لا .. لم يغرق ولدي معهم – وليته غرق مثلهم – … فلقد كان ينتظر عودة السفينة مرة أخرى لتنقله ومجموعة أخرى كبيرة من الشباب أمثاله ممن يعيشون وهم ” المدينة الفاضلة ” بعد عبور ” بحور الوهم ” .. لأنه تأخر في الوصول إلى المكان الذي كانت تنطلق منه السفينة لتوصلهم إلى بر الأمان المزعوم ..
غرقت السفينة .. وغرق كل ركاب السفينة .. وغرقت أحلامهم وأمانيهم في ” بحور الوهم ” ..
عصابة ” المافيا ” الشيطانية قامت بإبلاغ ولدي وبقية الشباب الذين كانوا ينتظرون السفينة للعبور .. أخبروهم بغرق السفينة وكل من على ظهرها من الشباب من أقرانهم …
وأخبروهم بأن رحلتهم قد تم إلغاؤها وأن عليهم أن يعودوا من حيث أتوا ؟؟!! وأن ما قاموا بدفعه من أموال لن يعاد إليهم بحجة أن خسارتهم كانت جسيمة بغرق سفينتهم ؟؟!! ..
ولدي لم يتحمل الصدمة الشديدة .. فلقد أصيب بلوثة عقلية وصدمة نفسية وعصبية رهيبة ؟؟!! .
فها هو قد خسر أمواله .. وخسر أحلامه .. وخسر الرحلة الموعودة إلى ” المدينة الفاضلة ” بعد عبور ” بحور الوهم ” ؟؟!! .
خسر أمواله وما لاقاه من مشقة السفر الخطير مشياً على الأقدام .. والمخاطرة بعبور الحدود بدون إذن أو تصريح أو سماح بالمرور والعبور … وكان من الممكن أن يتعرض أثناء رحلته اللعينة تلك للخطر في كل لحظة … والذي قد يصل إلى درجة الموت والقتل الشنيع .. أو الإصابة والسجن في أحسن الأحوال .
.. ولدي لم يخسر كل هذا فحسب .. بل خسر عقله أيضاً .. خسر عقله .. لبه .. فالصدمة الرهيبة كانت أقوى وأقسى من أن يحتفظ ولدي الغض بعقله وفكره ولبه … فهل تدرك ذلك يا سيدي ؟؟!! .. هل تدرك ؟؟؟!!!
اكتب … اكتب يا سيدي .. مالك تقف هكذا فاغراً فاه الدهشة كالأبله وأنت تشاهد الموقف وتبتسم ابتسامة بلهاء حمقاء ؟؟!! .
اكتب يا سيدي … اكتب عن هذا المشهد الذي تراه بأم عينك .. أم أن ما تراه لم يهز مشاعرك ولم يحرك فيك ساكناً ؟؟!! .
أنا أعرف جيداً يا سيدي بأنك كتبت للوطن .. للحب .. لقضايا المجتمع ومشاكله .. وللحرب .. فلماذا تقف الآن هكذا كالأبله بسذاجة وحمق دون أن تحرك ساكناً .. ودون أن تخرج الورقة والقلم لكي تكتب ؟؟!! .
اكتب .. اكتب يا سيدي .. فهل نضب معين فكرك ؟؟.. وهل جف مداد قلمك ؟؟.. وهل نفد ورقك .. ؟؟!!

… يعدو في الأزقة والحواري في الحيّ الكبير من المدينة .. مهرولاً في كل اتجاه دون هدف أو مقصد .. يعدو الأطفال والصبية من خلفه وهم يلاحقونه بالصراخ والضجيج بعبارات من الهزء والسخرية والتهكم .. والمزيد من العبارات البذيئة من الألقاب والألفاظ النابية .. ولا تلبث الأمور أن تتعدى هذا وذاك إلى الضرب بالأيدي والركلات بالأرجل والقذف بالحجارة والزجاجات الفارغة وما يكون في متناول الأيدي ….

الوسوم
اظهر المزيد

بختي ضيف الله المعتزبالله

شاعر وقاص جزائري. مشرف على عدة مواقع إلكترونية، إخبارية وأدبية.

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن
إغلاق