نقد

قراءة لـ (ق ق ج ): “كابوس” للقاص بختي ضيف الله / الجزائر

ميمون مسلك

لتمرير رسالة/خطاب ، يعمل القاصّ كلّ ما في وَسعه، ليستعين بأسلوب ملائم. حقاً أحياناً كثيرة، يأتي الأسلوب تِلقائياً، جَرياً مع الكتابة، و تدفّق الإلهام، و يَخدم الفكرة . حتّى أنّ القاصّ نفسه يُفاجَأ بهذا العطاء الذي أتاه فجأةً، و بهذه الصّورة . و أحياناً لا بدّ من نوع من التّدبّر، و التّفكير، لأنَّ الفكرة تبدو متعنّتة، و مُستعصية. فيرجئها القاصّ لتتخمّر أكثر، سواء عن قصدٍ أو عن غير قصد. تجنّباً أن تأتي خديجاً غير مُكتملة…إلى أن يأتي يومها المَعهود، فتوضع مكتملة: فكرة ،وأسلوباً… كما هو الشّأن في نص ” كابوس” للقاص بختي ضيف الله:

النّصّ :

” هي لا تقرأ و لا تكتب. تضع صور حيوانات لتميّز هواتف أبنائها… تسلّل ثعلب ماكر إلى هاتفها، أخلط الصّور، نصب نفسه أسداً… الحمل الوديع أصبح فأراً، يطارده قطّ شرس، و الأسد أصبح كلباً، ينبح دون انقطاع… و… استيقظت مفزوعة على رنّة هاتفها…
ــ آلو…
ــ أمّي الغابة تحترق… ”

العنوان : “كابوس” لغوياً : “الكَابُوسُ : ضَغطٌ يقع على صدر النائم لا يقدِرُ معه أَن يتحرك، قيل ليس عربيا ، وهو بالعربية : الجاُثومُ ، والباروكُ ، والنِّئْدِلان . و يعرف بشلل النّوم (Narcolepsy) . ، و يعني أيضاً: ” القلَق الفكريّ، و الهاجس”، كما يُطلق تقزّزاً على ” الشّخص المزعج ”
و نفسياً ، الكابوس ” هو حلم يحدث خلال النّوم الذي يتميّز بحركات عين سريعة (REM)، والذي يصاحبه شعور قويّ بالقلق والخوف لا يمكن الفرار منه ” .

بالنّسبة للنّص نحن أمام أمّ أمّية لا تقرأ و لا تكتب . و ما دام الأمر كذلك جعلت تحت رقم هاتف كلّ ابن من أبنائها صورة حيوان ، فمجرد أن يرنّ الهاتف و ترى صورة الأسد تعرف أنّه ابنها فلان، و هكذا مع باقي أرقم هواتف الأبناء، و صور الحيوانات التي تميّزهم: ثعلب،حَمل، فأر، كلب…إلا أنّه وقع ما لم يكن في الحسبان . إذ قام أحدهم فأخلط الصّور. و لم تعد كما ألفتها الأم، و بالتّالي ما عادت قادرة أن تميز أرقام أبنائها. وليس ذلك بالأمر السّهل بالنّسبة لأمّ أمّية. بل ذلك عندها كابوس فظيع ، فحين استيقظت مفزوعة على زنّة الهاتف، أخبرها ابنها من الطّرف الآخر، أنّ الغابة التي أنشأتها بصور الحيوانات تحترق الآن.
الجميل في هذا النّص أنّه اشتغل على علامات سيميائية، و إشارات إيحائية (Gesticulation) تستوقف القارئ:

1ــ الأمّ الجاهلة الأمّية.
2ــ استعانتها يصور الحيوانات لتمييز هواتف أبنائها.
3ــ خلط الصّور.
4ــ وقوع الحريق في الغابة / العائلة.

ــ بالنّسبة للعلامة الأولى إيحاء بأنّه ليس من الواجب إبقاء شخص في المجتمع جاهلا أمياً. فلم تعد الحياة سهلة، ممكنة ،متيسرة… كما كانت في الماضي. بل تعقّدت أكثر. فلا عذر لمن لم يتعلم، و يطّلع على مستجدات الحياة. فقد يؤذي نفسه، و قد يؤذي غيره، عن غير قصد، و لكن بسبب جهله. و الأمّ هنا رمز للعديد من الإناث اللّواتي حُرمن التَّعليم، و لازمن البيت إلى أن تزوجن و أنجبن. و بقين على أمّيتهن. و المجتمع الجزائري أو العربي عامّة يغص بهذه الفئات من النساء .
ــ بالنّسبة للعلامة الثّانية، سواء كانت فكرة صور الحيوانات من الأمّ أو من أحد أبنائها.فقد وجدت حيلة تمكّنها من معرفة مَنْ يُخاطبها عبر الهاتف، أو مَنْ ترغبُ في الاتّصال به، من أبنائها. إنّهُ حلّ و إن كان مفيداً. إلا أنّه عرضة للإختراق، و ليس كالعلم و المعرفة التي تستوطن الذّاكرة، و تستجيب في كلّ وقتٍ، رغم كلّ الظّروف، و تناقضات الحياة .

ــ بالنّسبة للعلامة الثّالثة، فالحلول المؤقتة ، أو أنصاف الحلول سرعان ما تتلاشى، و تخترق، و يبطلُ مَفعولها، و يَنعدم عطاؤها .. هذا إذا لم تنقلب عكس ما أريد لها، لأنّها منذ البدء لم توضع كحلول ناجعة، خاضعة لتعليمٍ، وعلم، و معرفة و كما يقول المثل الانجليزي : “ما يُكسبُ بِسهولة يَضيع بِسهولة ” (Easy come Esay go) فقد وُجدَ منْ يَعبث بالصّور، لغاية في نَفسه. فوقع الخَلط بين أرقام هواتف الأبناء.

ــ العلامة الرّابعة،النّتيجة لنْ تكون مُرضية مع أنصاف الحلول، أوالحلول التّرقيعية . بمعنى لا بدّ من حلّ مفيد و ناجع، و لا مفرّ من التّعليم، و محاربة الجهل و الأمّية، بالنّسبة للجنسين و بخاصة في صفوف الإناث اللّواتي يتحمّلن في المجتمع مسؤولية البيت و تربية الأطفال. ولهذا جاءت العلامة الرّابعة لتعلن رمزياً عن احتراق الغابة/العائلة. النص لم يوضح، و لكن ترك المجال رحباً لتخيل نوعية الاحتراق. و لنتصور مثلاً و افتراضاً، أنّ الأمّ تريد إخبار ابنها ( الحَمَل ) عن سر يخصّ ابنها (الأسد) و هي لا تعلم بمسألة الخلط التي أجراها ابنها (الثّعلب)، و إذا بالحَمَل هو الأسد. فعلينا أن نتصور وضع الأم، و هي تشتكي لابنها الأسد من ابنها الأسد ظنّاً منها أنّه الحمل !

النّصّ في إطاره التّركيبي القصصي استفاد من روح الطرفة، حين اختار صوراً للحيوانات . و كان في الإمكان وضع صور للأبناء . و لكن تعميقاً للإحساس بضرورة التّعليم و نَبذ الجهل و الأمّية جاء النصّ كما هو عليه .و قد حقّق مُتعـة القراءة (la jouissance) و الفائدة التّلميحية لخطورة الجهل في حياة العَولمة، و الأنفوميديا .فكانت المزاوجة بين الوَهم و الواقع، و سحر الخيال ، ما يسميه النّقد بالواقعية السّحرية ( Magical Realism )…

فهنيئاً للقاص بخي ضيف الله على هذا النّص التّلميحيّ الهادف.

تحياتي / مسلك

قراءة لــ (ق ق ج) ” كابوس ” للقاص بختي ضيف الله / الجزائر

الوسوم
اظهر المزيد

بختي ضيف الله المعتزبالله

شاعر وقاص جزائري. مشرف على عدة مواقع إلكترونية، إخبارية وأدبية.

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق