الأدب والثقافة

عن سنوات كتابة الرأي

من البداية أود الأعتراف أنني طال ما شعرتُ  أنني لم أحقق شيئاً من الكتابة سوى أنني قولتُ ما أود أن أقوله، حتى أننى لم أكن من الذين يسعون خلف شيء معين طوال الوقت، و صارت كتاباتي طوال السنوات الفائتة في ألاف المواضيع، لأنها تشكل في الأصل موضوع واحد فقط، و هو ما يصنع مني كاتباً ، هو أنني أكتب رأيي فقط.

لسنوات كُنت أحب أنني كاتب رأي، يحق لي طوال الوقت أن أكون موضوعياً، أقوم بوضع المصادر و بعض الدلائل و التحاليل و الأستنباطات من أجل إثبات وجهة نظري، يحق لي طوال الوقت أن أكون كما أهوى، أن أقول أن الأمر كذلك لأنني أراه كذلك، و كُنت في مقابل ذلك أقوم بتقديم بعض التضحيات مثل أن الأماكن التي كتبتُ بها طوال تلك السنوات تجاوزت العشرين تقريباً، و لم أقتضي راتباً في أي يوم مقابل مقالات الرأي ، ربما فقط بعض المراجعات التي قدمتها للقارئ.

حينما كُنت أقدم تلك المراجعات كُنت اقوم بصناعة حفرة داخل الكلمات، و وضع رسائلي فيها، قارئي العزيز فقط من يدرك ما أود قوله من الكتاب او القصيدة او الفيلم الذي أعرضه، أما الذين يعبرون يعبرون دون ان يدركوا شيئاً ، مهنة كتابة الرأي جميلة للغاية ، بل هي الأروع على الأطلاق.

علمتني تلك العادة او الهواية او الوظيفة او سميها ما شئت العديد من الأشياء، أولها كيف و متى يتوجب على الشخص المسئول أن يرد و متى يتوجب عليه ان يصمت ، منذ المقال الأول و أنا مُدرك تماماً ان الصمت هو الوسيلة الأصلح و الأصعب علي الأنسان ، و القول هو الوسيلة الأهلك و الأسهل على الأنسان، و خير القول على لسانك هو هزي القول ، ان تمزح و تمرح بين الناس عوضاً عن التحدث بجدية في أي أمر.

قلة من البشر هم من يستحقون ردك الجاد في أمر ما ، ذلك لأن الناس حينما يقولون رأيهم لا يدركون حقيقةً مُرة للغاية ، ان لا أحد قد طلبه مسبقاً ، وحدهم المساكين ذوي دور النشر و الجرائد و المؤسسات العريقة هم المحتاجين إلى مقالات الرأي و سماع الرأي ، ذلك لأن من الواجب عليهم ان يملئوا يومياً المساحة البيضاء من اوراقهم .

هكذا ربما يمكنني تقديم ما أود الشروع فيه ، كيف غيرت تلك العادة حياتي تقريباً ، كانت البداية نتيجة لثورة شخصية على شخصية هامة في تلك الحقبة ، قومتُ بتدوين المقال الأول ، و تأخرتُ في إرساله إلى الجريدة خمسة شهور كاملة ، حتى قام أحد أصدقائي بإرسالها عوضاً عني ، و منذ ذلك الحدث و لا أزال أتعلم دروسي الشخصية منها ، و قد يكون بعضها :

 

ليس من الحكمة أن تنتقد ، و ليس من الحكمة أن تمدح ، حينما تمر في الشوارع ستجد الناس يتشاجرون فيما بينهم نظراً أن كلا الطرفين لا يعلم كيف يرتكب العيبة ، و ذلك نتيجة أن لكل طرف من يمدحون فيه، و ربما قام أحد الطرفين لسبب ما بتقديم نقده الشخصي في الأخر ، لا أُنكر أنني كُنت أبلهاً يقوم بنقد الناس لحظة نقدهم له ، و لا أُنكر أنني كُنت أقدم نقدي للجميع دون أن يطلبه احد ، لكن حينما أصبحتُ مقيداً بشروط النقد الخاصة بالمواقع الاخبارية و الجرائد ، و تعلمتُ كيف يمكنني نقد الاخريين و متى ، و متى لا يحق لي سوا الصمت .

ليس من الحكمة أن تنتظر النقد او المدح ، كثيراً ما أجد الكثير من بني جيلي يتوقفون عن الكتابة نتيجة لانهم فقط لم يلقوا التشجيع الذين كانوا ينتظرونه ، حقيقةً لم أفهم لماذا علي أحدهم ان يقوم بتشجيعك من أجل ان تقوم بالكتابة ، و الكتابة في المطلق لا تأتي إلا لانك تود قول شيئ ، ليس لانك تريد سماع شيئاً معين ، هؤلاء الذين يتركون الكتابة لانهم لم يسمعوا ذاك الصوت المنتظر ، الجمل البراقة ، التصفيق و صفير الجماهير ، هؤلاء في الحقيقة مراهقون و ليسوا كُتاب ، و كذلك الذين يعيرون اهتماماً للنقد العابر طوال الوقت ، حينما بدأت الكتابة كُنت صغيراً للغاية ، لكي اكون دقيقاً لم اكن قد عبرتُ المرحلة الأعدادية ، كُنت في منتصف الأبتدائية في الحقيقة ، و الأن انا في السنة الجامعية الثانية ، طوال تلك السنوات يسخر مني العديدين فقط لأني صغير السن ، تقريباً كتبتُ في ذات الوقت الذي بدأ منه الأمام النووي أعماله ، و لكن هو لم ينتظر المدح و لم ينتبه له ،  و انا لم انتظر مدحاً او نقداً و لم انتبه له ، فقط أحببتُ الحديث دون مبالاة .

 

من الضروري لدى كاتب الرأي ان يتبع أحدهم في تعلم كيف يمكنه حماية رأيه ، اتبعتُ في البداية أحمد خالد توفيق و بلال فضل و الخال عبد الرحمن الأبنودي و عمر طاهر و إبراهيم عيسى و جلال أمين ، كُنت أسمع اسمائهم في مختلف الأوساط و اقرأ لهم في سنواتي الأولى ، سنواتي الأولى كقارئ و ليس ككاتب رأي ، ذلك لانني كُنت اقرأ جرائد مثل الدستور و الشروق و المصري اليوم ، لكن لم يكن لي أيقونة من قبل مثل جلال عامر ، تلك التي ستظل أمامي طوال الحياة ، اتعلم منها كيف استمر في الحياة بدون ان الخروج من دائرة مبادئي ، دون حدوث خلل في النظام .

لدى جلال عامر صفاته الخاصة التي تجعلني ادرك كتابته دون ان يوضع اسمه في نهايات تلك المقالات ، هو انه لا يخشى ذكر اسماء السياسيين و الشخصيات العامة ، لا يهتم باهانتهم او تخوينهم ، هو فقط يقوم بطرح كلامهم كما هو ، هو يعلم ان الفساد قد اتصل بالكوميديا مؤخراً، حتى صار من الكافي ان تكتب عقود و مستندات بعض المؤسسات الحكومية مع ذكر بعض المقاطع من خطب المسئول عنها ، تعلمتُ من جلال عامر كيف اكتب كل شيئ في كل الأوقات ، حيثُ دائماً في اسوء الاوقات كان اسمه يظهر ، كان يسخر و يضحك الجميع ، لم يكن جلال عامر كاتباً يحتاج الي مصادر ، لم يقدم موضوعاً واحداً في حياته لكي يقوم بحل ازمة ما ، لكنه حقيقةً كان يكتب لنفسه و عن ما ترى نفسه .. طال ما حلمتُ ان أكون مثله .

 

أخر ما تعلمته هو أن من الضروري ان تكون انتحارياً ، ذلك لأنك حينما تكتب مقالك انت علي دراية جيدة ان الناشر لن يقبله ، القارئ لن يقبله ، ربما الذي لم يعتاد القراءة حتى يقرا هذا المقال من أجل ان يسخر منك ، كتابة الرأي مثل صناعة الديناميت بين الف شمعة ، هذا المقال مقدمة نوعاً ما لبعض الحكايات التي تتعلق بالحريات في الوطن العربي ، حدثت معي و حدثت مع غيري ، نسميهم كُتابنا المُفضلين و نسمي بعضهم اصدقائنا و بعضهم يصلحون ان يكونوا زملاء لأنهم لا يزالون من شباب الكُتاب ، أتمنى ان يُنشر هذا المقال ، لا أعلم كيف ، و لم أعلم يوماً كيف لأي مقال كتبته أنه قد يُنشر ، لكن لا يوجد ناشر او قارئ او ناقد يستطيع ان يعطي اثباتاً انني لا يحق لي أن أتمنى شيئاً !

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

بهاء الدين يوسف حجازى

مصري مسلم سُني ليبرالي قاهري اتولد في فجر يوم الثلاثاء 20 ابريل 1999.

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق