قصص قصيرة

عشق اسود “قصة قصيرة”

عشق اسود بقلم احمد سيد عبدالغفار

عِـشق أَسْـوَد

كعادتي كل يوم ,اخرج من منزلي ذاهبً الى عملي في تمام السابعة صباحاً, وبمجرد ان تطأ قدمي ارضية الشارع حتى تبدأ رحلة المعاناة , ضجيج الباعة و رائحة عوادم السيارات بجانب الزحام ,مزيج من الفوضى وعدم النظام مع انتهاك حقوق الطريق من قبل اصحاب المحلات مما يجعل عبور الشارع مهمة صعبة
ولكن يوفقني الله دائماً بأن اخرج سالماً لأبدأ رحلة قصيرة اخرى في الشارع الرئيسي الذي يمتلىء بالمحلات الضخمة والفخمة واللافتات المُضيئة ,رحلة قصيرة استمتع بها بمشاهدة تلك المحلات التي اُعدت خصيصاً لأصحاب الطبقة العُليا, واغلبها محلات ملابس وأحذية او محلات تصفيف الشعر الخاصة بالنساء,
اخبرني صديقي ذات يومٍ ان هُناك اماكن لتصفيف شعر الرجال ويقوم بذلك فتيات جميلات وانه سوف يذهب لخوض التجربة, لم اصدقه واعتقدت انه يكذب ولكني اتذكر دهشتي عندما رأيته بعدها, حقاً ان للأنثى لمسة ساحرة وتترك أثرها على الرجال , انا لم اُجرب لأنني لم اتزوج حتى الأن رغم تجاوزي الثلاثين بعام او عامين لا اتذكر تحديداً فلقد اعتدت على حياتي وحيداً.
رحلتي القصيرة لم تنتهي بعد وبقي بضعة دقائق وأصل للمكان المُعتاد وانتظر سفينة نوح التي تبتلع كل من يقف في طريقها , تلك الحافلات الحمراء الضخمة التى عندما تدخلها تشعر وكأن الوطن كله بداخلها,اطفال ورجال ونساء وعجائز .
وقفت انتظر مع من ينتظر , وكعادتي وقفت بعيداً اُدخن لفافة التبغ فمن المستحيل ان تأتي سفينة نوح قبل ان انهائها, وقفت اُدخن وانا اُشاهد الناس ,السيارات,المتاجر.
ولكن لفت انتباهي ان هناك شيئً جديداً لم اعتاد رؤيته وهو متجر لبيع الفساتين يبدوا انه تم إنشاءهُ حديثً ,نظرت الى اللافتة الكبيرة وكان اسم المتجر باللغة الإنجليزية , لم اهتم بالأسم ولا بالمتجر او ما يعرضه ولكن ما جذب انتباهي وجعلني اقترب من واجهة المتجر هي تلك المرأة التي تجلس بالداخل .
امرأة سمراء بل من الممكن ان تقول سوداء , وانا اعشق البشرة السمراء ولا اعلم سر عشقي لذلك اللون ,كانت تجلس بكل كبرياء واضعة قدم فوق الأخرى, ثوبها الأزرق اللامع يكشف ذراعيها وساقيها من الاسفل حتى ركبتيها , عيناها واسعة ونظرتها حادة مثل ساحرات القبائل الإفريقية , شعرها لامع شديد السواد يُخفي اُذنيها ويصل الى صدرها.
قُلت في نفسي “سُبحان الخالق” اخذت انظر اليها والى جمالها الى ان سمعت صوت الحافلة فهرولت لكي افوز بموضع قدم داخلها وقد تحقق لي ما تمنيت.
وصلت الى عملي بعد تكسرت عظامي من الزحام والإعتصار داخل الحافلة, جلست على مكتبي لأبدأ معركتي اليومية مع الأرقام وصراعي مع الحسابات والدفاتر ولكني اليوم اقل تركيزاً وذلك بسبب الجميلة السمراء فصورتها لم تُفارق عيني وجاذبيتها استحوذت على تفكيري وتركيزي , اندهش من حُبي لتلك النوعية من النساء , في الماضي سألني اصدقائي السؤال الشهير للشباب , اى نوع من النساء يُعجبك وتتمناه؟ اتذكر جيداً سُخريتهم بي وضحكاتهم على إجابتي.
انتهي اليوم وغادرت مكان عملي وطوال الطريق يشغلني امراً واحداً وهو رؤية تلك الفاتنة السوداء , ولكني صُدمت عندما لم اجدها , اخذت اُقلب عيني داخل المتجر ولا ارى سوى بعض النساء يتفحصون الفساتين.
عُدت الى منزلي وانا اشعر بالخيبة فقد كنت اتمنى رؤيتها , قضيت ليلتي اُفكر بها واتمنى ان تنهي الليلة و تشرق الشمس سريعاً .
استيقظت على صوت المنبة المُزعج ووفعلت ما افعله يومياً وخرجت متلهفً لرؤية جميلتي السوداء , وعندما وصلت الى المتجر وقفت قريباً منه لكي انعم برؤية افضل من الأمس.
ورأيتها ولكن في ثوب ابيض زادها جمالاً وإشراقاً , تجلس نفس الجلسة ,نفس وضع القدم, نفس النظرة الحادة وكأنها شاردة او غارقة في التفكير في امراً ما.
تفحصتها عن قرب وهي غير مُنتبهة لي وكأنني غير موجود, عيناها شاردة ووجهها صارم وكأنها ملكة من العصر الفيكتوري.
ثوبها الأبيض زادها إغراء وفتنة , لماذا لم تكن افروديت سمراء؟
لماذا يعتقد مُعظم الناس ان البشرة السمراء نصف الجمال؟ انهم مخطئون ان السمراء تمتلك كل الجمال وان ما اراها امامي قد امتلكت كل مواصفات السحر والجمال .
دقائق من المتعة انتهت عندما سمعت صوت السفينة الحمراء.
مرت بضعة ايام وانا لا يشغلُ تفكيري سوى تلك السمراء , افكر بها طوال الوقت وهذا لم يحدث لي مُسبقاً, ماذا فعلت بي تلك الفاتنة؟ .
واصبحت رؤيتها كل صباح عادتي واُمنيتي , وكل مرة اراها في ثوب مختلف ولكن نفس الجلسة,نفس النظرة الحادة , نفس الشرود وكأنها تُخطط لتدمير العالم , وكالعادة لا تنتبه لوجودي.
لم اعُد احتمل عذاب التفكير فيها وضاق صدري من تجاهلها لي.
هل احببتها؟ لا اعلم! ولكن ما اشعر به اتجاهها وهذه المؤشرات تُشير الى ذلك, لا استطيع ان اُخفي مشاعري, لقد احببتها بالفعل.
وفي احدى الليالي وانا اُفكر بها كعادتي اقنعني شيطاني بتلك الفكرة و قررت ان اذهب اليها واتحدث معها واخبرها بما في داخلي وبما اشعر به وليكن ما يكون, وحتى وان اتهمتني بالجنون.
مواجهة صعبة من الممكن ان تُسبب ضرراً بالغاً, لا اهتم سأفعلها غداً , وذهبت الى سريري وقد عزمت على خوض المواجهة.
نمت ورأيت في منامي شيئً عجيباً, شيئً يثير الدهشة.
رأيت نفسي داخل غرفة قديمة حوائطها ملساء بدون اثاث وليس لها باب, فقط اربع جدران مرتفعة حتى انني لم استطع رؤية السقف, الأضاءة خفيفة ولا اعلم مصدرها او من اين تأتي؟
اخذت انظر حولي في ذهول واصرخ ولكن دون جدوى لا احد يجيب, وفجأة سمعت صوتً, صوتً انثوياً لكنه ساحر ,نظرت خلفي فوجدتها,نعم هي فاتنتي السمراء ولكن تلك المرة واقفة ومبتسمة لتظهر لي اسنانها البيضاء , ترتدي ثوبً احمر اللون يُظهر اكثر مما يُخفي , مفاتنها تظهر لي بوضوح .
تسمرت عيناي عليها اتفحصها من قدميها حتى شعرها, اية من الجمال لا يضاهيها جمال الألهة الأغريقية , شامخة مثل عشتار البابلية , متمردة مثل غجرية إفريقية.
مدت لي ذراعيها تدعوني للأقتراب , اقتربت منها وكأنني مسلوب الإرادة , وضعت كفيها على كتفي وعيناها تنظر مباشرة الى عيني , وانا مثل المسحور وضعت يدي على خصرها المكشوف, لم تتنطق وانا لم انطق فقط ننظر لبعضنا , هي مُبتسمة وأنا في ذهول ولا اعلم ماذا يحدث لي , عقلي قد توقف وكذلك كل حواسي ايضاً.
ولا ارادياً وجدت نفسي اقترب بوجهي منها لكي اُقبلها ولكنها فجأة اختفت وقمت من نومي فزعأً وجبيني يتصبب عرقً .
انها السادسة صباحاً غادرت سريري وفعلت ما افعله قبل الذهاب لعملي , خرجت من منزلي وقد عزمت ان اذهب اليها حتى وان تسبب ذلك في قتلي.
وصلت الى المتجر ووجدتها كعادتها , نفس الجلسة , نفس النظرة الحادة , ولكن ما ادهشني وجعل دقات قلبي تتسارع هو انها كانت ترتدي نفس الثوب الأحمر الذي رأيته في حلمي.
استجمعت قواي ودخلت المتجر ببطئ وبخطوات هادئة , هي لم تتحرك ولم تنظر الي, اخذت اتفحص الفساتين وكأنني اريد الشراء, هي لم تتحرك ولم تنظر الي.
قلت بصوت مسموع “اريد شراء ثوب اُهديه الى صديقتي فاليوم عيد ميلادها”.
هي لم تتحرك ولم تتكلم وايضاً لم تنظر الي.
اصابني الذهول واقتربت منها وانا اقول
“هل من الممكن ان تختاري انتِ لي؟”
هي لم تتحرك ,لم تتكلم, لم تنظر الي.
اقتربت منها حتى اصبحت امامها مباشرة وهي كما هي .
اقتربت بوجهي من وجهها ووضعت يدي على يديها, وشعرت ان الزمن قد توقف. دقات قلبي توقفت, جميع حواسي توقفت, حرارتي ارتفعت , ورعشة اصابت اطرافي .
انها ليست كما ظننت , ليست ملكة من العصر الفيكتوري, ليست ساحرة من القرون الوسطى, ليست الهة إغريقية, ولا حتى غجرية إفريقية .
انها ليست سوى تمثال لعرض الفساتين (مانيكان) .
تمالكت نفسي من الصدمة , ووضعت يدي على وجهها اتفحص تفاصيله بأناملي .
كم كنت مخبولاً ,كيف لم اكتشف ذلك؟ هل عشقي للأَسود اعمى بصري وبصيرتي؟ كانت دائماً في تلك الجلسة وتلك النظرة الحادة كيف لم انتبه لذلك ؟ .
اخذت انظر الى وجهها وانا ابتسم سخرية على نفسي ,يالغبائي كم كنت ابله .
وضعت يدي على يديها وقلت ” ولكنكِ بالفعل جميلة…جميلة جداً”
نظرت خلفي فوجدت رجلاً عجوزاً ينظر لي نظرة اعرف معناها جيداً (هل انت معتوه) .
ابتسمت له وخرجت دون ان احدثه, خرجت ووقفت في مكاني المعتاد انتظر الحافلة , اشعلت لفافة التبغ واخذت ادخن وانا اضحك حتى جائت الحافلة ولكني لم اتحرك بل وقفت انظر اليها وانا اضحك واضحك حتى وصوتي يعلوا والناس تنظر الي نظرة اعرف معناها جيداً .

…………………..تـــــمــــت……………………….

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد سيد عبد الغفار

كاتب ومؤلف قصص قصيرة

2
اترك تعليق

avatar
2 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
2 Comment authors
Nada mohmmedأحمد سيد عبد الغفار Recent comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
Nada mohmmed
ضيف

الحقيقه قصه اكثر من رائعه ابدعت حضرتك
تمنياتى لك دائما التوفيق المستمر.🖒

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق