قصص قصيرة

خليل أفندي “قصة قصيرة”

خليل افندى
امامي ساعة واحدة فقط لكي احكِ لكم حكاية “خليل افندي” الموظف البسيط الذى كنت اعمل معه منذ عده سنوات, ساعة واحدة فقط لأنى استأذنت زوجتي ان تتركني ساعة اجلس وحدى واعرف ان الفضول يقتلها لكى تعرف السبب ولكنى بالطبع لن اخبرها فهذا سر.
انا “خالد” اعمل محاسب في شركه كبيرة ومعروفة, ولكن كنت قبلها اعمل في شركة حكومية في بداية تخرجي عندما التقيت ب”خليل افندي” الموظف الطيب الذى يشبه موظفين الافلام القديمة, هو في الخمسين من عمره كسا الشيب رأسه وشاربه. هزيل الجسم انحنى ظهره قليلا عندما تراه تشعر انه في الثمانين وليس الخمسين كان “خليل افندي” كما كان معروف في الشركة رجل انطوائي لا يتحدث كثيرا ولا يبتسم ولا يمزح لا يتحدث مع احد الا في امور تخص العمل ويتحدث باختصار شديد ويتركك فورا دون شرح او تفصيل, من الصعب جدا ان تلفت انتباهه لك فمهما فعلت لن ينظر لك.
في بداية عملي في الشركة كنت ملئ بالحماس والنشاط اعمل باجتهاد وتركيز حتى اثبت كفاءتي ولكن فضولي كان يجعلني انظر كثيرا اليه وافكر في امره كنت اختلس النظر اليه من وقت لأخر, اجده في وضع واحد وهو جالس على مكتبه عينه على ما يوجد على مكتبه وقلمه في يده, كنت اشعر انه لو سقطت قذيفه علينا او احترق المكان لن ينظر لنا خليل افندي بل لن يشعر بذلك حتى.
حاولت كثيرا ان اتحدث معه في امور تخص العمل بالطبع وكنت اسأله حتى يرشدني كان يسمع سؤالي ويجاوبني دون ان ينظر الى. حاولت ان اكرهه او لا اشغل تفكيري به ولكنى عندما انظر اليه يتملكني احساس ان هذا الرجل يخفى كثيرا وان وراءه امر ما. كانت علاقتي بالموظفين علاقه جيده بالرغم من اغلبهم ماكرين ومن الصعب ان تستريح لهم ولكنى تأقلمت معهم وكان شخصان يشاركونا نفس الغرفة وكنت اتقرب اليهم بحسن اللسان والمعاملة حتى اطمئنوا لي وشاركوني معهم في جلساتهم اثناء الاستراحة وكانوا يتحدثوا امامي بحريه مطلقه وكان اكثر كلامهم عن النساء والجنس كنت انا اصغرهم حيث كانوا هم في اوائل الاربعينات وانا شاب ابلغ السابعة والعشرين كان كل واحد منهم يتحدث عن امرأه يعرفها ويعاشرها ويحكى مغامراته الجنسية بفخر و بمنتهى الوقاحة وحدث ولا حرج عن بذاءة اللسان كنت استمع لهم كنوع من التسلية وكنت كلما اذكر اسم “خليل افندي” اجدهم غير راغبين في الخوض في سيرته فقط يمتدحون اخلاقه وجهده في العمل مع قليل من السخرية منه. ولكن اصراري على الحديث معه كان يجعلني دائما افكر في اسباب لكى اذهب له وفى احد الايام ذهبت اليه:
-خليل افندي؟
-نعم-دون ان ينظر لي-
– هل من الممكن ان اتحدث معك قليلا؟
-هل الامر يتعلق بالعمل؟ -دون ان ينظر لي ايضا-
-لا ولكنى اريد ان اتحدث معك قليلا لأنك تشبه والدى كثيرا رحمه الله عليه”وكانت هذه كذبه منى”
هنا توقفت يده عن الكتابة ورفع وجهه الى ونظر الى ثواني وهز رأسه ثم قال
-اجلس يا بنى
هدأت اعصابي كثيرا لأنى كنت اتوقع ان يرفض او ان يحرجني جلست وانا افكر فيما سأقول
-تحدث يا بنى انا منصت لك
– كيف حالك يا عم خليل؟
-الحمد لله على كل حال
-اراك دائما منهمك في العمل ولا تتحدث مع احد
-نعم فنحن هنا لكى نعمل ولا نتحدث الا في امور تخص العمل اليس كذلك يا بنى؟
-نعم انت محق ولكن حتى لا تصاب بالملل
-ملل ؟يا بنى ان الحياه كلها بما فيها مملة عباره عن دائرة مغلقه وكلنا ندور فيها وكل انسان يبحث عن شيء مختلف يجعله يشعر بالتجديد او بالسعادة ولكن سرعان ما يعود الملل اليه من جديد ويبحث عن شيء اخر الى ان تضيق عليه الدائرة ويختنق
اصابنى ذهول من كلامه انه كلام عميق يخفى وراءه الكثير لا اكذب عليكم لم استطيع فهمه ولكنى ابتسمت مجامله له وقلت له اجامله ايضا:
-انت محق ويبدو انى سأتعلم الكثير منك ان قبلت بصداقتي واعطائي خبرتك فأنا ما زلت شاب وافتقد الخبرة واحتاج الى انسان مثلك يرشدنى.
-يا بنى انت ما زلت شابا وسوف تعلمك الحياه الكثير انتهى وقت الراحة اذهب لعملك.
ادهشتنى طريقته في انهاء الحديث فقمت من مكاني ذاهبا الى مكتبي بعدما شعرت بالخجل نظرت اليه فوجدته كما كان وكأننا لم نتحدث تيقنت انه يخفى امرا ما وعزمت ان اعرفه مهما كلفني ذلك وكنت اجلس مع زملائي الاخرين وبين الحين والاخر اذكر اسم خليل افندي واحاول ان اعرف منهم اي شيء عن هذا الرجل وعن سبب وحدته وانطوائه عن الجميع ولكن كالعادة لا استفيد منهم بشيء ولكن في احدى الجلسات عرفت منهم اين يسكن وقررت ان اراقبه اعرف ان هذا جنون ولكن اريد ان ارتاح هل يوجد شيء غريب حقا ام انى فقدت صوابي؟
وفى اليوم التالي بعد انتهاء العمل تجولت في الشوارع الى ان حل الليل وقررت الذهاب الى مسكنه وكان يسكن في احد المناطق الشعبية في بنايه قديمة تتكون من خمس طوابق ولكن لا اعرف شقته في اي طابق ومن حسن حظى كان يوجد مقهى مقابل بنايته فجلست عليها ولكن من الداخل حتى لا يراني ان خرج او دخل ظللت انظر الى البناية واتفحص الطوابق والبلكونات ولكنى لا ارى شيئا لا احد يدخل او يخرج مرت ساعه ونصف وانا جالس حتى اصابني الملل وهممت ان اغادر الى ان لفت نظري امرأه تخرج من البناية يبدو عليها انها لعوب ولاحظت تهامس الجالسين وغمزاتهم لبعضهم يبدو انها معروفه في المنطقة كانت الساعة قد اقتربت العاشرة غادرت المكان دون ان اعرف شيئا وفى اليوم التالي ذهبت الى عملي ووجدت ان احد زملائنا قد تغيب فسألت عنه زميلنا الثالث فقال انه مرهق لأن المدير بعثه مأموريه عمل امس واعطاه اليوم اجازه قالها وهو يبتسم ابتسامه خبيثة لم افهم معناها ولاحظت ايضا ان خليل افندي ينظر الى من الحين والاخر نظرات غريبه اصابتني بالحيرة فهذه اول مره ينظر لي هكذا .وبعد انتهاء العمل وجدت خليل افندي يغادر قبلنا وهذه اول مره فقد اعتدنا انه يغادر بعدنا بوقت قليل فقررت ان اتحدث معه فلحقت به.
-خليل افندي؟
-نعم هل تريد شيئا؟
-هل انت ذاهب للبيت؟
-لا سأتمشى قليلا
-هل تمانع ان اشاركك ونتحدث قليلا؟
-لا. تفضل يا بنى
-كيف حالك يا عم خليل؟
-الحمد لله على كل حال
-لم اراك دائما مهموما يا عم خليل؟
-وهل يوجد ما يسر في هذه الحياه؟
-هل عندك اولاد ؟
-نعم عندي فتاه في الجامعة
-الا تفكر في اسعادها وتربيتها تربيه سليمه ويسعدك ان تطمئن عليها وتزوجها؟
-نعم بالتأكيد فأنا احيا بسببها ولها
-اذن لديك ما يستحق ان تقاتل لأجله او بالأدق لديك هدف و….
-لم كل هذه الأسئلة؟
-فقط اشعر بالامتنان لك واريد التقرب اليك اكثر
-ولم؟ فأنا عجوز وانت شاب
-ان كنت ضايقتك فسأتركك واعتذر عن…..
-هل انت متزوج؟
-لا لست مستعدا الان للزواج
-اذن كيف تقضى وقتك؟
-لا افهم ماذا تقصد؟
-من الواضح ان لك رفيقات تسهر معهم
– لن تصدقني ان اخبرتك ان ليس لدى اي علاقات مع الجنس الاخر مطلقا
-لا استطيع تصديقك و اشعر انك تكذب
-اقسم لك يا عم خليل انني ليس لي اي علاقات
هنا وقف عم خليل ونظر لي بتمعن ثم نظر الى الارض وعاود النظر لي.
-هل تقصد انه لم يجمعك فراش مع امرأه من قبل؟
-سوف اقسم لك كما كنت اقسم لأبى اقسم بالله انني لم المس اي امرأه من قبل طوال حياتي
شعرت ان وجهه تغير وابتسم لي ووضع يديه على كتفي بعدما استكملنا طريقنا وقال لي بعدما تغيرت نبره صوته واصبحت هادئة ولطيفه غير صارمه:
-اصدقك يا بنى واياك ان تفعلها في الحرام فتندم بقيه عمرك وستظل مهموما وكئيبا.
-اعاهدك يا عم خليل ان اجعل كلامك هذا امام عيني دائما ما حييت ولكن لا تبخل علي بنصائحك ولا تحرمني من الحديث معك فصداقتك شيء يشرفني.
-انت شاب طيب يا خالد وانا سعيد بمعرفتك.
ومنذ ذلك الحين اصبحنا اصدقاء نتحدث يوميا بعد انتهاء العمل ولكنى لاحظت شيئا غريبا منذ ان تقربت اليه وهو ان زملائي الاخرين بدئوا ينفرون منى ولا يتحدثوا معي ولا يشاركوني مجالسهم وكذلك خليل افندي كان وجهه يتغير عندما اذكر اسماءهم وكان يحذرني منهم وان لا اختلط بهم الا في حدود العمل فقط.
بدأت الاسئلة تدور في رأسي, ما الذى بين خليل افندي وبينهم ؟لا يوجد توافق بينهما في اي شئ,اعلم ان خليل افندي رجل طيب لا يمكن ان يكون اذاهم من قبل, يبدوا انهم هم من اذوه فطبيعتهم توحى لي بذلك. انهم ليسوا بالأشخاص الودودين لا يمكن لأى عاقل ان يستريح لهم. قررت من داخلي بل وعزمت ان اعرف ما الذى بينهم؟ ولماذا يكرهوا بعضهم؟
ولكن هذا صعب فهم لن يأمنوا لي بعد الان وخليل افندي لا يطيق الحديث عنهم ويصدني دائما عندما احاول ان اتحدث عنهم, ماذا افعل؟ اخذت افكر في حيله لكى يأمنوا لي ويخبروني بما يخبئوه حتى توصلت لطريقه ربما تنجح واعرف منهم شيئا فقررت ان اعد لهم سهره في شقتي واتى لهم بالحشيش والخمر فهم يعشقون تلك الاشياء وبالفعل دعوتهم لتلك السهرة ووافقوا بعد الحاح منى وبالفعل قمت بتجهيز ما عزمت عليه وجاؤوا كما وعدوني وجلسنا نشرب وندخن حتى اصبحا فى حاله سكر وضحك هيستيري فنويت ان استغل الفرصة واسألهم :
-لماذا كنتم تتضايقوا مني عندما كنت اتحدث مع خليل افندي؟
-لأن هذا الرجل يكرهنا وسوف يخبرك بأشياء لكي يجعلك تكرهنا
-لماذا يكرهكم ؟انا ارى انكم تعاملوه جيدا
-انه رجل مخبول لا يأتمن احد ولا يحب احد
قالها احدهم ثم مدد جسده على الأريكة واغمض عينيه اظن انه نام فقررت ان استغل الأخر واعرف منه المزيد.
-انتم محقين انه رجل كئيب كنت احاول التقرب منه لكى اعرف لم هو هكذا؟ ولم يكرهنا ويتجنبنا؟
-وهل اخبرك بشي ؟
-لا لم يتكلم معي كان يصدني دائما
-ولم كنت تريد التقرب منه؟
شعرت انني لن استطيع التغلب عليه, انه رجل ماكر جدا ولن يتحدث كثيرا فنظرت له ولم اجد ما اقوله فضحك هو ثم قال لى:
-يبدو انك لست سهلا-لم تقول هذا؟
-لأن من الواضح انك كنت تريد التقرب منه من اجل زوجته
-زوجته ؟ ماذا تقصد؟
-الا تعلم انه متزوج من امرأه تعمل ليلا؟
-ماذا تقصد ب تعمل ليلا؟
ضحك بصوت عالي ثم قال :
-الا تفهم حقا؟ امرأه كما يقولون في الروايات بائعه الهوى انها مشهوره جدا في منطقتهم
-وهل زوجها يعلم هذا؟
-من المؤكد انه يعلم ويبدو انها مسيطره عليه
ظل هو يتحدث ويضحك ويسخر من خليل افندي مع بعض الكلام القبيح على زوجته وكنت اضحك معه واسخر لكى لا يشك في ولكن عقلي كان في شيء اخر كنت مذهولا مما سمعت وغير مصدق لما سمعته وبعد انتهاء السهرة ومغادرتهم جلست افكر في هذا الكلام هل يعقل هذا؟ ان خليل افندي رجل وقور واشهد له بالاحترام من المؤكد ان كل هذا كذب وافتراء على هذا الرجل الطيب ولكن يجب ان اتأكد بنفسي.
ذهبت الى عملي في الصباح وكنت اتحاشى النظر الى خليل افندي لأنى اعتبره صديق وواجب الصداقة يفرض علي اخباره بما سمعت ولكنى بعد تفكير توصلت الي حل يرضيني وهو ان اتأكد اولا من صدق ما سمعته وان كان حقيقي سوف اخبره دون تفكير. كان ينظر الي نظرات تساؤل كأنه يسألني ما بك؟ وكنت اتحاشى النظر اليه, انتهى اليوم وغادرت مسرعا قبل ان يتكلم معي وذهبت الى بيتي افكر كيف سأتأكد ؟ فعزمت على مراقبه المنزل ولكن هذه المرة اخذت سيارة صديقي لكى اختبئ بها خشية ان يراني خليل افندي وبالفعل اخذت السيارة ووقفت بعيدا عن مسكنه وظللت اراقب وانا ادخن شعرت انى مخبر خاص او ضابط يريد معرفه المجرم وبعد وقت ليس بالقليل لفت انتباهي خروج نفس المرأة التي رأيتها في المرة السابقة واخذت اتساءل هل هذه زوجته ؟ كيف سأتأكد؟ فنزلت من السيارة ومن حسن حظي وجدت طفل يقف في كشك سجائر فتوجهت اليه واشتريت سجائر وحاولت ان اعرف منه شيئا:
-اين منزل خليل افندي؟
-انه يسكن في تلك العمارة هناك
-هل رأيته خرج او دخل؟
-لا لم اراه, ان هذه زوجته التي خرجت منذ قليل.
عدت الي السيارة بعدما شكرته على انقاذي من الحيرة والتساؤل وقدت سيارتي في الاتجاه الذى سلكته هي وقررت ان اراقبها, كانت تمشي وتتحدث في الهاتف كانت مشيتها وملابسها تؤكد لي انها فعلا كما سمعت كانت امرأة اربعينيه ولكن من النوع المفضل لكثير من الرجال كنت اقود بتمهل تاركا مسافه كبيره بيني وبينها حتى وجدتها قد وقفت ولم تمر ثواني حتى جاءت سيارة اخذتها ومشت وتتبعتهم دون ان الفت انتباههم لم يبتعدوا كثيرا, توقفت السيارة امام احدى العمارات في احدى المناطق الراقية, نزلت من السيارة ونزل ايضا رجلان معها ورحلت السيارة ولكن هيئه الرجلان ليست غريبه علي هل هما زملاء العمل ام خيل الي؟ انهما تقريبا هم, هذه مشيتهم اخرجت على الفور هاتفي واتصلت بأحدهم حتى وجدت احدهم يخرج هاتفه فعلا واغلقه في ضيق ونظر خلفه يا الهى انهم هم فعلا ايها الاوغاد تستغلون زوجه زميلكم في العمل ولكن اين هم ذاهبون ؟ لا يمكن ان يملك احدهم شقه في هذا الحى نزلت من السيارة ووقفت امام العمارة ولكن وقعت عيني على سيارة اعرفها جيدا, انها سيارة المدير كأن الله يريدني ان اعرف الحقيقة كامله, ان الاوغاد يقدمونها رشوه لرئيسهم حتى يتجاوز عنهم في العمل وتذكرت جملة احدهم :
“ان المدير قد اعطاه اجازه اليوم لأنه كلفه بمأموريه امس وقد استغرق الليل كله فيها”
يا الله من اي انواع البشر انتم؟ كيف طاوعتم انفسكم على خيانة رجل تجتمعون معه يوميا في مكان عملكم؟ بل وتستغلونها في الوصول الى غاياتكم؟ لعنكم الله ايها الخونة لقد صدمت فيكم لم اكن اتوقع ان تكونوا بهذه القذارة ولكنى الآن في مأزق, ان ضميري يحتم علي اخبار خليل افندي بما رأيته نعم انه واجب الصداقة ولكن كيف اخبره بأمر كهذا؟ هل سيصدقني ؟ ام سيتهمني بالكذب واخسره؟ لا لن اخبره ولكن كيف اخون الصداقة ؟
قضيت طوال الليل في صراع مع ضميري وعقلي حتى تعب عقلي من التفكير ونمت دون ان ادري. استيقظت في الصباح كالعادة لكني اشعر بمطارق تدق في رأسي من الصداع, قاومت تعبي وذهبت الي العمل, جلست على مكتبي اعمل وانا اتحاشى النظر الي خليل افندي وما زلت في حيرة من امري اخبره ام لا؟ وكنت انظر اليهم فأجدهم جالسين مطمئنين يضحكون لبعضهم ويتغامزون عليه ضاق صدري مما ارى فأنا رجل حر ولا اقبل ان يهان رجل مثل والدي في عرضه من قبل اوغاد مثلهم سأخبره وليكن ما يكون. انتظرت انتهاء اليوم بفارغ الصبر حتى استريح من تأنيب ضميري انتهى اليوم وخرجت من العمل مسرعا وانتظرت خليل افندي بالخارج وعندما خرج كانوا هم قد غادروا فذهبت اليه:
-كيف حالك يا خليل افندي؟
-بخير الحمد لله
-هل تمانع ان اتمشى معك قليلا؟
-بالطبع لا فأنا اعتبرك صديقي واستريح لك
كانت كلماته تلك قد شجعتني على اخباره ولكن كيف سأبدأ؟ طال سكوتي فباغتني هو:
-ما بك يا خالد؟
-انا بخير يا عم خليل
-لا لست كذلك هناك ما يشغل تفكيرك
-وكيف عرفت ذلك؟
-ان لم اكن اشعر بك فأنا لست صديقك
-انت محق هناك ما يشغلني واريد اخبارك به لأن هذا الامر متعلق بك ولكن هل ستصدقني؟
-نعم سأصدقك والا لم اكن لأسألك
كنا قد وصلنا الى مكان خالي من الناس على كورنيش النيل ووقفنا ننظر اليه.
-لقد عرفت شيئا خطيرا واود اخبارك به لكى استريح من عذاب ضميري سواء صدقتني او لا
-تكلم يا خالد انى منصت لك
بدأت حديثي وانا اتحاشى النظر اليه:
-ان زوجتك تخونك, تتبعتها امس ورأيتها تدخل عماره مع رجلين هل تعلم من هم؟ انهم انهم زملائك في العمل وشركائك في نفس المكتبوكان هناك ثالث في انتظارهم هل تعلم من هو؟
-انه المدير
صعقت من كلمته ونظرت اليه وذهلت من رد فعله لقد كان ساكنا هادئا كأنى لم اقل شيء كأنه يعرف ما اخبرته به لم يبد اي اهتمام بكلامي هل انا نائم ام مستيقظ؟ هل هذا خليل افندي ام رجل اخر؟ كيف يكون هادئا بعدما سمعه؟
-خليل افندي هل تعي ما اقوله؟
-نعم يا خالد سمعتك جيدا واعرف كل هذا
-كيف؟ كيف تعرف ان زوجتك تخونك وتكون بهذه البلادة ؟
-لا يا بنى لا تظن بي سوء
-عن اي ظن تتحدث ؟ في هذا الوضع لا يمكن ان اقول عنك الا انك رجل ……
-لا يا خالد لا تنطقها من فضلك
هنا انهمر خليل افندي بالبكاء ووضع كفه على عينيه فأخذت بيده واجلسته على مقعد خشبي وانتظرت حتي يهدأ ثم وضعت يدي على كتفه وقلت له بصوت هادئ
-لا تغضب مني يا عم خليل ان حبي لك هو ما جعلني اتكلم بعصبيه
-لست غاضبا منك يا خالد انك محقا تماما انما ابكى على حالي وهذه ليست اول مره ابكى فيها. انني يا بني اتجرع من نفس الكأس الذي اسقيت به غيري منذ زمن. اتلقى نفس الضربات بنفس السوط الذي ضربت به غيرى زمان. ان ما يحدث لي الان انما تصفيه حساب لجريمة فعلتها في الماضي. فمنذ سنين كنت شابا وكنت افتخر بشبابي وقوتي ووسامتي وكان في قريتنا رجل عجوز, كان عاملا بسيطا في محطة السكة الحديد جاء من المدينة وسكن في قريتنا وكانت له زوجه جميله اوقعت بها مستغلا وسامتي وقوتي وضعف زوجها واصبحت اذهب اليها في بيتها, تصور يا بنى كنت اخون الرجل في بيته وعلي سريره ولم اكتف بذلك كنت اتباهى امام اصدقائي واحكي لهم عن كل شيء حتى انتشر الخبر في القرية وعرف الرجل انني ارافق زوجته ولكنه لم يستطع فعل شيء بسبب ضعفه وغربته وكان الشباب يتغامزون عليه ويضحكون وكان منهم من يلقى بعض الكلمات المهينة عندما يمر. كنت عندما اراه اجده ينظر لي نظرات لا افهم معناها واصبح الرجل بلا كرامه يسير في الشارع ووجهه في الارض, كنت دائما اراه كل يوم يصلى العشاء ثم يذهب الي بيته وكان يمر في طريقه على المقهى الذى كنت دائما اجلس عليه وعندما يمر يضحك اصدقائي عليه بصوت عالي ويلقون بعض الكلمات لمضايقته ولكنه كان يفعل شيئا واحدا ,كان يرفع وجهه وينظر الي فقط ثم يمضى ساكنا الى بيته. كنت انا مثل اصدقائي اضحك في وجهه حتي عندما ينظر الي ولكن بعدما يمضى كنت احاول فهم نظراته تلك ولا اخفي عليك كان ينتابني خوف من داخلي ولكنى كنت اخفيه, وفى يوم كنت اتجول في القرية ونويت من داخلي ان اذهب الى زوجته واستمتع معها ولكنى عندما اقتربت من المنزل وجدت جمع من الناس امام المنزل وسمعت صراخ, جريت نحو المنزل ودخلت بين الناس وانا متلهف لمعرفه ما يجري حتى وصلت الى عتبة المنزل وتسمرت قدماي وتشنج جسدي فلقد رأيت الزوجة ممده على الارض ومغروس في بطنها سكين وبركه دماء حولها والزوج معلق من رقبته ولسانه خارج فمه وعيناه محتقنه, اتسعت عيني من الذهول وسرت في جسدي رعشه ليس من المنظر انما رأيت خلفه لوحه معلقه على الحائط مكتوب عليها (ستشرب من نفس الكأس) قرأت تلك الكلمات وايقنت انها موجه الي انها رساله قد كتبها الي قبل ان يقتلها وينتحر هربت من المكان مسرعا واختبأت في بيتي اياما لا اخرج ولا اكلم احد, لا اعلم مم اخاف فأنا لست متزوج وليس لي اخوات بنات ولكنى خائف ومترقب ومنتظر ما سيحدث لي وبعد فتره غادرت القرية واتيت الي هنا وتزوجت وانجبت لكني دائما خائف وتلك الكلمات امام عيني دائما (ستشرب من نفس الكأس) وعندما علمت ما تفعله زوجتي ايقنت انه العقاب والجزاء من جنس العمل يا بنى ان ما فعلته اتلقاه الان ان زوجتي تخونني ومع من؟ مع زملائي في العمل انى اتلقى اسوء مما فعلته, تركتها وشأنها واهتممت بأبنتي واتمنى تربيتها تربية صحيحه انعدمت شخصيتي واصبحت ضعيف ومنكسر في بيتي وعملي وامام جيراني اصبحت انسان ميت نعم يا بني فالأنسان بدون كرامه يصبح ميت.
هل عرفت الان لم انا وحيد دائما؟ لا اخفى عليك ففي بادئ الامر كنت اظنك مثلهم وتشاركهم نهش عرضي لكنك عندما اقسمت لي ايقنت انك صادق ولست مثلهم وسوف اقولها لك ثانيا اياك يا خالد ان تفعلها في الحرام واياك ان تنتهك حرمه احد فتشرب من نفس الكاس واعلم يا خالد (كما تدين تدان) .
-هون عليك نفسك يا عم خليل انك اخطأت وتلقيت العقاب ولكن كان بإمكانك ان تغير كل ذلك من البداية وتصحح الاخطاء لم سكت؟ لما تهاونت في عرضك؟ كان عليك ان تطلقها وتعيش بكرامتك لكنك استسلمت ان الرجل الذى خنته كان ضعيفا وجبانا لم يتحمل ما فعلته به فقرر الخلاص يؤسفني ان اقول لك انك مثله لا استطيع ان اقتنع كيف كنت تعيش مع من تخونك؟ كيف كان يجمعك فراش واحد مع من شاركت غيرك فراشه؟
-لا تكن قاسي علي يا خالد لقد تحملت بما فيه الكفاية ولا يمكنني فعل شيء
-انا لا اقسو عليك انما الومك على ما فعلته بنفسك لقد اضعت عمرك وسجنت نفسك داخل ذنبك كان يمكنك التخلص منه لكنك استسلمت اني متفق معك انك تجرعت من نفس الكأس ولكنك لم تغتسل من ذنبك انما تركت نفسك لل….
-كفى يا بني كن رحيما بي فأنت الوحيد الذى وثقت به واخبرته بسرى فساعدني.
-يجب عليك ان تساعد نفسك وتفعل ما يتوجب عليك فعله وان تحفظ ما تبقى من كرامتك, سامحني على الفاظي يا عم خليل وداعا يا عم خليل فهذه اخر مره ستراني فيها فانا لا يشرفني العمل مع امثالكم.
تركته ومشيت وانا اكتم دموعي والوم نفسي علي قسوتي معه ولكنني لا اعلم لم فعلت هذا؟ ولم تحدثت هكذا؟ كدت ان اعود اليه بعدما نظرت خلفي فوجدته يضع وجهه بين كفيه من المؤكد انه يبكى ولكني مضيت في طريقي وتركته وحيدا وعزمت الا اعود للعمل ابدا وقررت ان ابحث عن عمل اخر. مر ثلاثة ايام وانا اجول القاهرة وابحث و ابحث وفي اليوم الثالث عدت الى شقتي متأخرا وعندما دخلت وجدت مظروفا صغيرا امام الباب مسكته بيدي دون ان افتحه وقلت في نفسى لابد وانه من احد الشركات يخبروني انه تم رفضي مثل الاخرين القيت المظروف على التلفاز ونمت نوما عميقا من الارهاق. استيقظت في التاسعة ليس لدى رغبه في الخروج جلست امام التلفاز اقلب القنوات فوقعت عيني علي المظروف فابتسمت وقلت لنفسي لا مانع ان اقراه ففتحته فوجدت ورقة صغيرة فاندهشت وفتحتها بتمهل فوجدت فيها جمله واحده فقط جعلتني في قمة ذهولي وجعلتني ارتدى ثيابي على عجل وخرجت مهرولا الى ان وصلت لمنزل خليل افندي فوجدت جمع من الناس حول العمارة وسيارات الشرطة فعلمت اني تأخرت لكن فضولي جعلني اصعد الى شقته واخترق الجمع الى ان وقفت امام الباب ورأيت عم خليل معلق من رقبته وزوجته على الارض غارقه في دماءها ابتسمت ابتسامه باهته بعدما قرات اللافتة المعلقة خلفه
“كما تدين تدان”
ان التاريخ يعاد من جديد ولكن مع اختلاف الاشخاص فمنذ سنين كان خليل افندي مكاني يشاهد من طعنه في عرضه والان هو مكانه معلق مثله, صدقت ايها العامل انه شرب من نفس الكاس الذى اسقاك منه فليرحمكم الله. قمت بسؤال الناس عن ابنته فاخبروني انها في المستشفى بعدما دخلت في غيبوبة فهي لم تتحمل رؤية والديها هكذا ومن المؤكد انها لا تعلم فقررت ان اظل بجانبها حتي تمر من هذه المحنه او الصدمة وعزمت على تنفيذ نصيحة خليل افندي ان لا انتهك حرمة احد وان اجعل هذه الكلمة امام عيني دائما :
“كما تدين تدان” وان اكون معتدلا وملتزما بعيدا عن ما حرمه الله وبالفعل اصبحت ملتزما ورزقني الله وظيفه جيده وتزوجت ورغم مرور سنوات علي زواجي واصبح لدي طفلة جميلة الا انى اشعر انى ما زلت في شهر العسل, يا الله ما اجمل الحلال رحمك الله يا عم خليل, نعم يا جميلتي انا قادم لقد انتهيت.
ان زوجتي تناديني سأذهب اليها اني احبها مثل ابيها خليل افندي, فأنا لم اخبركم ماذا كان يوجد في الورقة جمله واحدة فقط:
“ابنتي في رقبتك تزوجها وتذكر كما تدين تدان”
تمت

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد سيد عبد الغفار

كاتب ومؤلف قصص قصيرة

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن
إغلاق