قصص قصيرة

اشتياق مفاجئ

قصة بقلم / احمد سيد عبدالغفار

إشتياق مفاجئ
كان الجو عاصف والبرد شديد والامطار تنهمر من السماء وتصدر الرياح صفيرا يبث الخوف والقلق في القلوب ومع كل هذا انقطعت الكهرباء عن البلدة فأصبحت مظلمة ومرعبة ولكن مع هذه الصعاب كانت الزوجة الجميلة الشابة تجلس بجانب النفاذة الزجاجية تترقب وصول زوجها وحبيبها من عمله فلقد دخل الليل ولم يأتي فقد كان كل يوم يصل في نفس الميعاد فلماذا تأخر؟, القلق يملأ صدرها ويزيد خوفها وقلقها عليه, تسمع صوت البرق وتدعو الله ان يصل زوجها بالسلامة وتفكر في حبيبها وتناديه ان يأتي بأسرع وقت لكي يتناول طعامه ساخنً.
انتبهت من شرودها على صوت ابنتها الجميلة الذى لم تتعدى الأربع سنوات, تُناديها فتقوم والدتها بحملها وهى تدللها
– نعم يا حبيبتي ماذا تريدي؟
– فترد الطفلة بصوتها المليء بالبراءة لماذا لم يصل ابى؟
– فتبتسم الزوجة على الفور وهى تقول لا تقلقي يا حبيبتي سيصل الان فلابد ان الطريق مزدحم قليلا هل تريدي ان تأكلي
– فردت الطفلة لا سوف انتظر ابى وناكل معا كلنا.
اعجبها رد ابنتها فحاولت ان تشغل قلقها عنها بملاعبتها.
في هذه الأوقات كان هو أيضا قلقً عليها وعقله ليس فيه شيء سوى عائلته وهو في انتظار القطار عائداً الى منزله في هذه الأحوال الجوية السيئة التي اخرت قدوم القطار ولكن عندما اتى حمد الله واستقله بسرعه واطوى مظلته وجلس بجانب النافذة الزجاجية ينظر الى المطر وأيضا يفكر في زوجته الجميلة الذى تزوجها وهو يحبها وهى أيضا تحبه, وكان قلق عليها وهو يعرف ان البلدة في هذه الأحوال تكون مرعبة حاول ان يشغل نفسه بقراءة الجريدة اليومية وان يستكمل روايته العاطفية التي يحملها في جيب معطفه ولكنه لم يستطيع فزوجته وابنته امام عيناه, اخذ يُشغل نفسه بالذكريات عندما كانوا معاً في الجامعة عندما جمعت بينهما صدفة جميلة وتعرفا على بعضهما,اُعجب بها واُعجبت به, وسرعان ما تحاول هذا الاعجاب الى حب جارف واشعل حياتهما نشاطا ومرح وتفاءل وابتهاج ,
ابتسم عندما تذكر حديثهما عبر الهاتف ليلا الذي كان يملأ الليل رومانسية وعشق, يتحدثوا عن حياتهما معاً وانها ستكون كلها سعادة ورومانسية, وحدث ما كان يتمنوه وتزوجوا في ليلة من ليالي الربيع الجميلة وامضو أيام جميلة واوقات سعيدة.
لكن سرعان ما التهمت الحياة الرومانسية والعشق من حياتهما وأصبحت حياة عادية جدا بلا رومانسية وبلا مشاكل الى ان اكرمهما الله بابنتهما التي اعادت الفرحة الى حياتهما من جديد وجعلتهم يستمتعوا بمشاهدتها تكبر امام اعينهما.
قطع عليه هذا الشوط الطويل من الذكريات محصل التذاكر وقال له تذكرة يا محترم ؟ ثم قدم اليه التذكرة ونظرا الى وجهة فوجده مظلما كئيب خالي من المشاعر, انقبض قلبه وقال في نفسه هل سأكون يوما مثل هذا الشخص! هل ستفعل بي الحياة هكذا؟
طرد هذه الأفكار من رأسة وعاد ونظر الى النافذة وهو يدعو الله ان يصل بسرعة الى زوجته فلقد اشتاق اليهما وهذه اول مرة يشتاق لها منذ فترة طويلة, شعر انها مثله تحتاج اليه تحتاج ان ترتمى في حضنه , فاخذ يدعو الله ان يصل بأسرع وقت.
تنهدت الزوجة واخرجت نفسا عميقا عندما تخيلت نفسها في حضنه بين يديه يضمها الى صدره بشدة يُنسيها هلع وخوف الليل واحواله يقبلها فلا تشعر بالبرد تسمع صوت أنفاسه اعلى واقوى من صوت الرياح, يمارسان حياتهما معا مثلما كان في متعة كبيرة, تشعر بالأسى فلقد فُقدت المتعة من حياتهما,أصبحت عادة غريزية فقط, فهموم ومتاعب الحياة كبيرة اكبر منها, ابتسمت لأنها تعذره وتُقنع نفسها انها مقصّرة في حقه, ما احلى الحب ما احلى التضحية والمشاعر الجميلة, تنتبه الى صوت ابنتها النائمة على الاريكة فلقد بذلت مجهودا لكى تُطمئنها وتجعلها تنام وقامت بتغطيتها من البرد لكى تنام طويلا لكن اشتياق الطفلة لأبيها كان اكبر, ذهبت اليها وجلست بركبتها على الأرض وقالت
– لها نعم يا حبيبتي ماذا تريدي ؟
– قالت الطفلة بصوت عذب رقيق الم يأت ابى ؟
– ابتسمت والدتها لها وقالت لقد اقترب يا جميلتي هل تريدي ان احكى لكي قصة جميلة؟ فوافقت الطفلة فقامت ببدء حكاية الارنب والسلحفاة.
انتفض الزوج من نومه منزعجً على صوت صفير القطار فقد دخل المحطة التي سينزل بها, قام من مكانه مسرعا نحو الباب لكي ينزل ولكنه وقف ونظر الى مكانه, فلقد نسى روايته العاطفية لكنه لم يرجع لكى ياخذها وقال لنفسه, لن اقرأ روايات رومانسية بعد الان بل سأعيشها, ثم ابتسم وتركها لكي يقرأها شخص اخر يفتقد لها فيستمتع بقرأتها.
قام بفرد مظلته السوداء وقام بالمشى مسرعا لا يهتم ببنطاله الذى اتسخ او جزمته الغالية التي غرقت في الطين لا يهتم إلا بشئ واحد هو ان يصل الى زوجته وابنته بأسرع وقت, وصل الى محطة الحافلات فلم يجده ووجد زحام فغضب فقال له رجل عجوز لا تغضب سنركب جميعا ,لم يرد عليه وقال لنفسه حتى لو جاء فهذه الحافلة بطيئة جدا وستكون اكثر بطئً في هذه الأحوال.
وجد تاكسى واقفا على الجانب الاخر فذهب اليه, ابتسم السائق عندما وجده قادما اليه فقام بتشغيل محرك السيارة واضائتها وانزل زجاج النافذة فنظر اليه من النافذة وقال له.
– اريدك ان توصلنى الى منزلى ووصف له العنوان ولكنه فزع عندما اخبره السائق عن الأجرة وقال له هل تستغلنى؟
– فقال السائق, لا, انا استغل الظروف
– كظم غيظه وركب فكل شيء يهون مقابل ان يصل سريعا الى زوجته وابنته , جلس بجانب السائق لكى يتكلم معه حتى لا يملّ من طول الطريق فنظر الى السائق وقال له
– ما الذى اخرجك الى العمل فى هذا الوقت؟
– نظرا اليه السائق في ذهول ولم يرد
– اقصد اليس لك زوجة وأطفال فلماذا لم تجلس معهم فى هذه الأحوال السيئة
– فنظر السائق اليه وقال, انهم في المنزل ماذا سيحدث لهم؟ فهم معتدون على ذلك فمن الممكن ان اظل خارج المنزل لايام ومع ذلك اعود واجد كل شيء كما كان, يا سيدى ان الحياة لما تترك شيء للعواطف والرومانسية انها أشياء نشاهدها في التلفاز او نقرأها في الرويات فهموم الحياة كثيرة.
– نظرا هو الى الجريدة بعد سماع كلام السائق وقال بصوت خافت ,انها هموم الحياة فقام برمى الجريدة من نافذة السيارة
– استعجب السائق لصنيعه وقال له لما فعلت هذا؟
– نظرا اليه ثم نظر الى النافذة لكى لا انجرف مع هموم الحياة الكثيرة ثم قال في نفسه ساعيش حياتى كما اريدها انا ليس كما تريدها الحياة ,انا قادم لكِ يا زوجتى الجميلة ويا ابنتى العزيزة …ثم ابتسم بسخرية على نفسه فكيف يملك زوجة وابنة مثلهما ويحزن! تنهد اشتياقً ولهفة لمنزله, اشتاق لرؤية حديقته الصغيرة التي امام بيته مع انه يمر منها يوميا ولكن لما يشعر بقيمته الا الان لم يصدق نفسه عندما اخبره السائق انه قد وصل فنظر فوجد المنزل امامه ظاهرا ولكن يوجد مسافة قصيرة فنظر الى السائق وقال له هل من الممكن ان توصلنى امام هذا المنزل بالظبط ابتسم السائق له وقال بكل سرور ولم اخذ منك حق ذلك ابتسم له فبرغم من فظظته ولكنه يوجد به شيء من الإنسانية لما تاكله الحياة فقام بتوصيله امام المنزل فقام بإخراج المال له الذى اتفق عليه فقام السائق بارجاع جزء منه فاستغرب له ونظر له وابتسم وقال السائق استمتع بوقتك يا سيدى وادعو لى سلاما فقام بتوديعه ودخل الى منزله يسبقه شوقه ثم فتح الباب بهدوء ودخل فوجد ابنته تنام في حضن أمها وعليهم معطفه اهتزا قلبه عندما رائهما كانه لما يراهما منذ زمن فدخل الى المطبخ وقام بتجهيز العشاء وفعل أشياء أخرى ثم خرج وجلس على ركبيته واقترب من وجه زوجته وهمس لها
– حبيبتى استيقظى لقد عُدت
– فتحت عيناها على الفور فوجدته يبتسم ويملس على شعرها أحست انه وُلد من جديد ,فرحت لذلك وقالت له سوف أقوم بتجهيز العشاء على الفور
– “وهو مازال يملس على شعرها” لقد احضرت انا العشاء وهو جاهز لنا
– “فنظرت له بذهول وابتسمت” ليست هذه عادتك!
– هي لناكل
ايقظ ابنته التي فرحت عندما رأته وارتمت في حضنه وقبلته ,وجلسا على المائدة التي تملأها الزهور والشموع, كانت جلسة في قمة الجمال والرمانسية جعلتهم يشعرون انهما مازالا في فترة الخطوبة.
كانوا يتناولون العشاء وهم لا يقفون عن الضحك والملاعبه والتدليل لابنتهما ولبعضهما.
قامت الزوجة الى المطبخ لتجهيز الشاي الذى يعشقه زوجها,
وقام هو بأخذ ابنته الى حجرتها لكى تنام, فارغمت اباها على الجلوس معها قليلا حتى استغرقت في النوم.
عاد الى زوجته فوجدها تجلس على الأريكة واكواب الشاى امامها فجلس بجانبها وهو يبتسم لها وهى أيضا تبتسم له, وضع يده على كتفها وقام بضمها الى صدره وقبّل رأسها, اغمضت عيناها من شدة الفرحة وقالت له
– ما بك ! ما هذه الرومانسية الشديدة؟ هل حدث شيء؟
– لا,لم يحدث شيء ولكنى اشتاق اليكِ كثيرا, اعذرينى يا حبيبتى على الحياة المُملّة التي عشناها مؤخرا فانا اعلم انكِ تعذبتى كثيرا وهذا لما تعتادى عليه منذ ان تزوجنا
– “نظرت له برقة وحنان ووضعت كفيها على خديه” لا تعتذر يا حبيبى فكل منّا اخطئ بحق الأخر ولم يهتم لمشاعر الاخر فلقد كانت الانانيه تستحوذ علينا .
– حبيبتى لن ادعك تُعانين من الان وفيما بعد ستُصبح حياتنا جميلة وسنصبح شبابا دائماً.
… نظر الى النافذة فوجد ان الامطار قد هدأت قليلا فقال لها
– هل كنتِ تجلسين بجانب النافذة تنظرى الى الامطار و تنتظرينى وتدعى الله ان اتى بسرعة ؟
– نعم لما تسأل !
– لأنني كنت مثلك تماما ولكن اكثر اشتياقً
.. ابتسما لبعضهما ثم تعانقا
– هي بنا
– “قالت مندهشه” الى اين؟
– سنرقص فانا لما ارقص معكِ منذ زمن.
…. و قام بتشغيل اغنيتهم الهادئة التي يحبونها واخذو يرقصون ويغازلون بعضهما البعض بكلام كله حب وعشق مثلما كانوا يفعلوا في فترة خطوبتهم وفى اول الزواج .
وكانوا يحكون لبعضهم احداث هذه الليلة العصيبة, فهى تحكِ له عن عذاب الانتظار وجلوسها بجانب النافذة وهى تستمع الى اغنية “انا بستناك” للمطربة “نجاة” وتتمنى ان يصل اليها سريعاً.
وهو يحكِ لها عن سباقه مع الوقت وعن الاشتياق المفاجىء لها عندما تذكر أيام الجامعة والخطوبة.
كان حديثً جميلاً ثم تركا نفسهما للصمت يستمتعان بسماع انفاسهم ودقات قلبهم فكان هو يمسك خصرها ويضمها اليه بشدة وهى تلف يدها حول عنقه وتنام على صدره, كانا وكأنهم شيء واحد.
ثم نظر اليها نظرة طويلة فهمت هي على الفور ما يريده فجذبته اليها واخذت تقبله وهو يقبلها حتى اندمجا معاً ومارسا الحب ولكن هذه المرة في قمة الحنان والرومانسية وقضوا معا ليلة كانت اجمل ليلة في حياتهم على الاطلاق وقد التقت ارواحهم وقلوبهم قبل جسدهم.
كانت الانفاس متقاربة جدا وامتنعت الامطار عن النزول و هدأت الرياح ,وكانت هي نائمة على صدره وتضع يدها حول عنقه, بينما هو يمسك كتفيها وكانا يستمعان الى صمت الليل الهادئ يستمتعان بهذه اللحظات السعيدة وتعاهدا على ان تكون حياتهم كلها سعادة وحب .
……….تمت……….

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد سيد عبد الغفار

كاتب ومؤلف قصص قصيرة

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق