قصص قصيرة

أبنائي الأعزاء

قصة قصيرة للكاتب احمد سيد عبدالغفار

أبـنائي الأعــزاء

ليلة اخرى من ليالي المرض يقضيها وحده ولكن شعور غريب اتاه تلك الليلة لقد شعر انها الليلة الأخيرة شعور لا يستطيع التخلص منه, يرقد على فراشه ناظراً لسقف الغرفة المُظلم ,نظر الى يساره فوجد صورة زوجته التي توفت منذ ثلاث سنوات, قلب الصورة على وجهها كأنه لا يريدها ان تراه وهو ضعيف.
عاد الى النظر الى سقف الغرفة ونزلت من عينيه دمعه لسعت خده من سخونتها ,انين بداخله يعذبه وصراخ في قلبه يمزقه, يشعر ان حياته انتهت عبثاً رغم امواله التي تملئ البنوك.
يشعر بالوحدة رغم انه منذ قليل كان يلتف حوله ابنائه الثلاث.
يشعر بالانهزام رغم سلطته و نفوذه. خُيّل اليه ان السقف اصبح شاشة عرض ورأى نفسه وهو طفل يلهو مع الاطفال ثم يرى انه كبر قليلاً ويجرى فرحاً يحمل شهادة نجاحه في الإعدادية, ثم يرى كفاحه في دراسته الثانوية وتفوقه الى ان دخل الجامعة ولكنه اضطر للعمل لكي ينفق على نفسه وسريعا مرت سنوات الكفاح وتخرج من الجامعة حاملا شهادته التي انتهى بها المطاف معلقة على احد جدران غرفته. يرى نفسه يُكافح ليلاً ونهاراً من اجل الزواج, ثم يرى حفل زفافه من احدى قريباته وبعد زواجه اتجه الى مجال التجارة مستغلاً ذكائه وقد رزقه الله بصفقة كبيره يوم ميلاد ابنه الأكبر وكانت الفرحة مُضاعفة .مرت سنين العمر سريعا بين العمل والصفقات وجمع الاموال وتغير الحال واصبح من كبار رجال الأعمال, لكنه كان مُهملاً في اسرته, فقد كان لا يجلس مع ابنائه إلا قليلاً, ويمر الشهر وهو لم يجلس مع اسرته سوى بضع ساعات ولم يتناول طعامه معهم سوى بضع مرات.
ما الذى فعله حتى يتحسر على عمره الذى شارف على الانتهاء؟
قضى عمره منشغلاً لكي يُسعد اسرته ولكنه لم ينتبه انه نسى اسرته . يشعر انه غريبً على ابنائه ويعرف انهم يشعرون بذلك ايضا.. يرى ذلك في نظراتهم اليه نظرات لا تحمل حبا ولا تحمل ايه مشاعر يعلم جيدا ان قلوبهم مُتحجره ويعلم ايضا انهم من داخلهم يتمنون موته لكي ينعموا بأمواله .لم يُخرجه من شروده إلا طرقات على باب غرفته, سمح للطارق بالدخول وكان صديقه ومحاميه دخل عليه بهدوء وجلس على كرسي بجانب سريره
• كيف حالك ؟
• اشعر باقتراب رحيلي
• لا تقل هذا ..سوف تتحسن ان الاطباء يقولون….
• لا اريد سمع المزيد من هراء الاطباء انهم يثرثرون كثيرا
• مازال هناك امل ..تمسك به
• الامل…تلك الكلمة التي ضاع عمري من اجلها, طوال حياتي وانا ارددها لنفسي ..هناك امل…وتمر السنين ويكسو الشيب رأسي…هناك امل…اصبحت غريبا وسط عائلتي وما زلت اردد …هناك امل… لكي اعوض ما فات من عمري ..اصبحت مريضا طريح الفراش وعندما شعرت بأقتراب موعدي ادركت انني كنت اسير في الطريق الخاطئ نحو الامل…ولكن هيهات لا يوجد امل في الرجوع وتصحيح الاخطاء. لا تحدثني عن الامل
• لم اراك من قبل محبطا هكذا
• انني مقبل على طريق لم افكر يوما انني سأسلكه
• اطال الله عمرك
• أتركني الأن اشعر برغبة كبيرة في النوم ولكن خذ هذه الحقيبة ولا تفتحها إلا بعد ثلاثة ايام من رحيلي
• ولكن….
• افعل ما أأمرك به ولا تُجادلني وأرحل الأن…
…عاود النظر الى سقف غرفته ولكنه لم يرى شيئً, اغمض عينيه وتمنى الا يستيقظ وقد حدث ذلك فعلاً.

…..كان الثلاثةُ أبناء يجلسُون مُنتظرين مُحامي والدهم الذي تُوفي مُنذ ثلاثة أيام وذلك موعد الأستماع إلى وصيته التي تركها مُسجلةً بصوته داخل أسطوانة.
كانوا مُتلهفين لسماع وصية والدهم ليعرفوا كيف سيتم اقتسام أمواله التي تركها فوالدُهُم من الأثرياء.
دخل عليهم المُحامي وجلس وأمرهم بالإنصات جيدًا لسماع الوصية وأنها سوف تُنفذ كما أراد والدُهُم لم ينتظر جوابًا منهم وقام بتشغيل الأسطوانة ولم تمر ثواني حتى سمعوا صوت والدهم.
…أبنائى الأعزاء كيف حالُكُم في اليوم الثالث بعد موتي؟
هل تشتاقون لي؟ بالطبع لا ومن المؤكد أنكم لم تحزنُوا لفراقي
أعلم ذلك جيدًا فأنتم لم تشعُرُوا بي يومًا ولم تهتموا لمعاناتي وأنا أحاربُ الفقر بكل قوتي حتى أجعلكم تعيشون في رفاهية ولكن انقلب ذلك علي وصارت الأموالُ أحب إليكم مني وصرتم عبيدًا لها.
مُنذ قليل كُنتم مُتلهفون لمعرفة كيف ستوزع الأموال ولكن الأن قُلُوبكم تدُق بعُنف وتشعُرُون بالقلق.
كُنت أتمنى أن تكون والدتُكُم تجلسُ معكم الأن ولكنها ماتت قبلي ماتت قبل أن أنتقم منها لخيانتها ..نعم فهي خائنة وكُنت أعلمُ ذلك ولكني لم أطلقها خوفًا عليكم وياليتني طلقتها فأنا لم أشعر مُطلقًا أنكم أبنائي كُنت أريدها أن تُعانى مثلي .
أعلم أنكُمُ الأن تخافون من أن أحرمكم من أموالي ويتصبب جبينُكُم عرقًا.. لا تخافوا ولكن أعيدوا حساباتكم لأني تبرعتُ بنصف ثروتي لخدم القُصر والفقراء لعل الله يرحمني ويغفر لي.
يتبقى الأن نصف ثروتي الأخر ولكن قبل أن أخبركم كيف ستُوزع الأموال أريد أن أسألكم ماذا ستفعلون بها؟
لا تُفكروا كثيرًا أعلم أنكم تافهون وسوف تُنفقونها فى تعاطي المُخدرات والتسكع مع العاهرات أو على طاولات القمار وستقضُون أيامكم فى السُكر والعربدة و المُقامرة ولما لا؟
فأنتم لم تشعرون بالتعب يومًا ولا تعلموا كيف جُمعت تلك الأموال
ولكن أريد إخباركم بشيء قبل أن تحصلوا على الأموال لم أخبر به أحدًا أبدًا..
مُنذ قليل أخبرتُكُم أن والدتكم خائنة ولكن لم أخبركم بأنها كانت تخُونني مع من؟ هل تريدون أن تعرفوا؟ حسنًا سأخبرُكُم
أنه المحامي الذي يجلس أمامكم الأن …نعم إنه هُو الذي استغل والدتكم في سرقتي وقاما بسرقة بضع ملايين من أموالي.
نعم هذا المُحامي الذي كُنت أعتبره صديقي ولم أبخل عليه بشيء مطلقًا قام بخيانتي وسرقتي مُستغلاً زوجتي التي هي والدتكم.
أخبروني ماهو شعوركم الأن؟ هل ستنتقمون لوالدكم؟
ولكن قبل أن تُجيبوا أريدُ أن أخبركم أن هذا المحامي يملكُ توكيلاً مُوقعًا مني يحقُ له أن يعطيكم أموالي وقتما يشاء.
عليكم الأن أن تختاروا ما بين الإنتقام لوالدكم ممن خانه واستغل والدتكم وحينها سوف تخسرون الأموال.
أو تُصافحوه الأن وتأخذوا الأموال وتمرحُوا ضاربين بشرف والدكُم عرض الحائط ولكن هل تستطيعوا تقبل هذا فى حياتكم هل تستطيعوا العيش بأموال جائتكم على حساب تغاضيكم عن شرفكم؟
عليكم الإختيار وتحمل عواقب اختياركم.
عليكم ان تعانوا قليلا وتذوقوا ما تجرعته انا طوال عمري .
عندما كنت فقيرا كنت اعاني من الفقر وعندما اصبحت غنيا عانيت من الخيانة وعندما ماتت والدتكم عانيت من قسوة قلوبكم
ارجوا منكم الا تكرهوني ..لقد فعلت ذلك لكي تدركوا كم كانت حياتي مؤلمة وكنت احتاج الى عطفكم ولكنكم لم تنتبهوا.
وفى النهاية….. أبنائي الأعزاء …..وداعًا
……………..تـــــــــمــــــــــــــت………………….

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد سيد عبد الغفار

كاتب ومؤلف قصص قصيرة

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن
إغلاق